سقف

اعتدت أن أبِيتَ كلَ ليلةٍٍ مُحَدِّقاً في سقف غرفتي، مُحَوِّلاً إياه إلى سبورة أوهامي. بوسط سقفي رَسمتُ ابتسامة كبيرة لتحييني صباحاً.

كلما سكنت منزلاً جديداً توقفت لأتأكد من السقف، رفيق الليالي المؤرقَة.

أكْرَهُ الأسقفَ الملونةٍ، قاتمةً كصدأ، وحلَِةٌ كمستنقعٍ ضحل. أفقد عليها أفكاري باستمرارٍ،  وأبات حتى الصباح ملطخاً فيها.

حِينما سكنْتُ بالسكن الجامعي لم يكن بغرفتي تلك الليلة مصباحٌ علوي؛ بقيت ليلتين أقبع في الظلام ريثما بدَّلْتُ المِصباح، بعد هذه السنواتِ الطويلة  لا أذكر من سقف حجرتي الجامعية إلا أنه مظلماً، وحيداً، كأول ليلة.

أُحِبُ السقف الخشبي أُقَسِّم عوارضه الخشبية إلى حدودٍ وهميةٍ، إلى دولٍ تَشْتَعلُ الحرب بينها على ملكية المروحةِ المُعلقة بالمنتصف، وأضحكُ بمكرٍ كـ (دولة عظمى). السقف الخشبي حميميٌ قريب؛ يحنو عليك كوجْهِ طفلة، ويَعْقِد لك مع العناكب المستوطنة زواياه عقدَ ميثاق ومودة، يُخيّلُ إليَّ أن عوارضه تدنو حين أغفو لتلامس أرنبة أنفي. السقف الخشبي عربي كريم.

السقف المتشقق:آيلٌ للسقوط، قد تسقط منه أحلامك، وقد يسقط عليك قبيل الفجر.

السقف المستعار، منافق متحرك، يخبئ خلفه الفئران، و الحشرات، و الرطوبة، و الفساد. السقف المستعار سلطة لتمرير فساد السقف المتشقق، وقناعٌ يخفي مروءة َالسقفِ الخشبي.

في السجن لم أنْعَم بترَف الأسقف، لكن تعلمت أن السقف العالي يسبب برداً وهُوْة، والسقف المتدني يبقيك دافئا ومطأطأً منحطاً، المرة الوحيدة في السجن التي حظيت بسقفٍ عادي كان سقفاً تبدو  فيه دائرةُ رطوبةٍ كبيرة تكونت من صف الحمامات التي تعلوه، ولأول مرة أنام منكفئاً على وجهي؛ فضلت الاختناق إختيارياً بقاذورات المخدة عن استقبال قطرات بشرية غير متوقعة من سقفٍ قذر.

حينما أطلق سراحي صُدمت لمنظر السماء بلا سقف، لقد نسيت طعم الفراغ.

رأيان حول “سقف

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s