تروي الأسطورة أن الرسم أصل النحت؛ فقد شرعت فتاة يونانية من كورنثوس في تخطيط شكل حبيبها المنعكس على جدار في ضوء مصباح، قبل أن يهم بسفر طويل. وما لبث والده الذي كان خزافًا أن يصنع من هذا الرسم مجسمًا من الطين المشوي، فكان أوّل نحات. في هذه الأسطورة ولد النحت من الحب.
-جوزيف طانيوس لوبس
حين طلب مني الرئيس اختيار الوقت المفضل لإجازتي الصيفية أظهرت وَرَعًا كاذبًا وزهدًا كزهد التجار؛ وقلت “سأترك فرصة لزملائي ممن لديهم أبناء في المدارس” لكن الهرب من المشاريع الصيفية للعائلة هو مبرري الحقيقي، في كل عام تخرج مشاريعنا العائلية في منتصف القيظ. قبل عامين قرر عبدالعزيز أن وضع مولدات للطاقة الشمسية عند غنم الوالد؛ سيكون أفضل استثمار للشمس الحارقة المندفعة من كبد السماء، فأنشأ مجموعة واتساب ناقشنا فيه القليل عن الطاقة الشمسية والكثير من الخلافات، ثم في آخر الأمر أحضر الألواح، وقد رأى -حين تقلصت الميزانية- أن بطارية التريلات الرخيصة ستفي بالغرض بدلا من البطارية المخصصة التي عرضها عليه البائع الصيني في علي اكسبريس، وحتى يومنا هذا تستند ألواح الطاقة -بلا فائدة- إلى إحدى أعمدة شبك البرسيم، بعد أن مسح عبدالعزيز مدخرات جيوبنا وعقولنا لينتج مشروعا ميتا يمتعض أبي من الحيز الذي يحتله بلا فائدة.
قبل أيام ونحن جلوس إلى الغداء قالت أختي “دامكم فاضين بالإجازة ليش ما تطلعون بطاقة لسلطان، طفشنا بذي الحجة وهم يدققون بالتفاتيش كل شوي يطلبون هويته، ونعطيهم كرت العائلة” وسكت الجميع. كانت هذه لحظة من تلك اللحظات التي يلتفت فيها والدي إلى وجوه كبار الذكور من عياله ويحرك رأسه آسفا على أننا لا نملك عقلا كبيرا كهذه الفتاة ذات الصوت الصغير، تشاغلت مدعيا مجاهدة اللقمة وقد كان فمي فارغا فبدوت كمن يمضغ الأفكار بجمجمته، ورفع إخوتي نظراتهم إليها وكل واحد فيهم يتخيل الطريقة التي يقطع بها لسانها، كنت الأقرب مجلسا ومأخذا والأكثر ترويضا، فالتفت أبي وقال “احجز له موعد ووده هذي اليومين”.
أتممت مهمتي يوم الخميس وعدت ضحى إلى البيت بيدي بقايا الأوراق، -وكنت بسبب الخبرة الطويلة قد نسخت كل نموذج يمكن أن يسألني عنه أحد بدءا من العنوان الوطني وانتهاء بكرت التطعيمات- وبين الأوراق المرتجعة عدت بظرف صغير به بقايا الصور التي أرفقها أخي بطلب الهوية، أخذ والدي الظرف وتأمل إحدى الصور وكأنه لا يعرف الماثل فيها. ثم فتح محفظته ووضعها، ولم يفهم الموجودون ماذا صنع -وهذه إحدى المشكلات الثقافية الناتجة عن وقوع ولادة الانسان بين 1999 و 2010- بعد أن غادر والدي تسائلوا “وش فيه أخذ الصورة ” فقلت لهم بيرسلها لولد عمنا الثري اللي هاجر من 40 سنة وعنده كل صور الكبار على شان يضعها في الوصية. فقالوا منجد؟ قلت “لا مو منجد يبي يحتفظ فيها ذكرى“
أدركت وقتا كنا نتبادل فيه الصور المطبوعة، وحين يذهب أحدنا ليلتقط صورة شخصية يزيد في عدد النسخ، ليوزع بطريقته ما يفيض عن حاجة معاملاته. سعيد ابن عمتي كان يتأنق عند ذهابه إلى التصوير مثلما يستعد لوليمة زواج، ثم يوزع علينا صوره كمن يوزع تذكارت على معجبيه. أشباه سعيد تمتلئ حساباتهم اليوم في الانستقرام بصورهم بلا سياق وتحتها اقتباسات عن الذكاء والحياة والنجاح والجنة والنار.
يحتفظ الناس بالصور في أماكن عدة ولا أعرف أول من احتفظ بها في المحافظ لتكون في الجيب الأيسر القريب من القلب بين النقود وبطاقة الهوية . في شمسية سيارة أحد السائقين رأيت صورة لابنته وزوجته وكأنه يستظل بهما حين يصد الشمس عن وجهه. استمدادا للعزيمة يضع بعضهم صور أحبابه على طاولة مكتبه وينظر الجندي إلى صورة من يحب قبل المعركة تتراجع أناه هنا وتنمحي تضحية لوجه المحبوب. نعلن الحب بوضع صور من نحبهم على شاشة الهاتف وخلفيات المحادثات، ونخلد الغائبين بجعل صورهم تعريفا لنا، يروون أن صديقا زار ماركيز بعد أن فقد ذاكرته، وحين رآه قال له ماركيز لا أعرف من أنت ولكني أحبك، تنطبع الصورة في الوجدان فتتخطى قدرات العقل والذاكرة الدماغ ويندفع الحب إلى قلوبنا -وإن عجزنا عن معرفة أسبابه- حين نرى من نحب.
قبل اختراع الكاميرات احتفظ الناس بصورهم بكل الطرق، نحتًا على الصخر، ورسمًا بالحبر، وأخفى المحبون وجوه أحبابهم عميقًا، حتى تمثلوا في كل شيء، فقال أحدهم :
ولا شربت زلال الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس
وقال الآخر “ياشبيه صويحبي حسبي عليك” وقبل التقنيات الحديثة وثقت الصور: الأماكن، والتواريخ، والأحداث، وجعل بعضهم الصورة وجها، يحمل الرسائل في ظهره. أرسل إلي صديق امتدت بيننا الأحاديث صورته، وقال: حتى يكون لصوتي صورة، نمنح وجوهنا لمن يحبنا ونحبه ونقول لمن صد عنا (ما يعطينا وجه).
زوجة خالي تحتفظ بالصور بطريقة إرشيفية ومن المألوف جدا أن تجد لديها صورا تمثل فترات زمنية مختلفة لذات الشخص، وكلما أردنا صورة قديمة سألنا أم مازن عنها، في حياة كل منا ذلك الذي يحتفظ بصور لنا محرجة؛ صور نومنا وأكلنا وعثراتنا، لدينا الكثير من أم مازن.
أستخدم صورة بلا رأس في وسائل التواصل ، وفي الواتس أب اضع صورة أجلس فيها على تلة وأنظر بعيدا ؛ أترك لمن يراسلني فرصة قول ما يريد دون النظر في وجهي.
*العنوان شطر بيت للمتنبي