تعرض شقيقي لحادث مروري رافقته بسببه في المستشفى حتى دخل علينا العيد. وكانت هذه الأيام طريقة غير متوقعة أردم بها فارق العمر بيننا الممتد أكثر من 18 عامًا؛ حدثته عن وقائع كثيرة تفسر له أشياء في عائلتنا رآها منزوعة المعنى.
جاءنا اليوم قريبي نايف معايدًا وعائدًا لمريضنا، في البداية، تجادلنا حول آخر مرة التقينا بها في مناسبة عابرة، زعمتُ أنها مدة قريبة وجادل هو أن عقدًا من الزمن مرَّ على آخر لقاء لنا، ثم كعادة من انقطعت علاقتهم الحقيقية بك في زمن قديم؛ قام باسترجاع ذكرياتنا من صداقة المراهقة، قال لي بحذق ودهاء كمن يمرر للآخرين حقائق يخفيها وجهي الوادع و صوتي الرصين “تذكر لما جيتكم من الديرة وأخذنا دخان” فضحكت وقلت “ناسي”
بدت صورة ضبابية في رأسي الآن بعد 25 عامًا. لم أتذكر الموقف تحديدًا لكني فعلتها مرارًا في الصف السادس، أتحين زيارة عيال الديرة، حين يأتون محملين بريالات فائضة عن حاجتهم، وفضولٍ إلى مدينة جدة، تجاه وجوهها الملونة وأزقتها الضيقة وأصواتها الغريبة. وكنت أميز منهم أولئك التواقين لتجربة لا يجدون مثلها في ديرتنا، رملية اللون. الرحبة والمنكشفة على السماء.
أحدهم سعد أخذته إلى حارة مجاورة ليلعب مبارة كرة طاحنة، لعب فيها حافيًا بثوبه المحشور في سرواله، مع فريق يلبسون فانيلة هولندا متأثرين بإدغار ديفيدز و في أقدامهم أربطة مطاطي كنا نسميه (إنقل) بعد أن أثار إعجاب أبناء المدينة بسرعة ركضه وصلابة عوده جاء واحد منهم إليَّ وقال وش يقرب لك وكنت أجيب كالعادة (ولد عمي) فقال لي هذا الديراوي عظمه ناشف
وأحدهم عبيد، الذي قطع بي مسافة طويلة ليجرب عصير الطبقات مبهورًا بألوانه المتراصة فوق بعضها دون امتزاج، وقد شعرت بالخيبة حين تذوقت شرابًا له طعم الجوافة بألوان مختلفة وكان مشواري الوحيد معه.
أما نايف ، فقد كان والده من أكثر المدخنين شراهة، ومراعاةً للتقاليد العائلية وحفظًا لانتمائه الثقافي رأيته الأنسب للدخول معي في مغامرة عالية السرية، انقشعت الضبابية عن ذاكرتي حين روى لي القصة.
حكى لي أني سألته هل سبق له التدخين فقال لي نعم مرات قليلة كان يسرق فيها سجائر مرمية خلف والده، ثم اقترحت عليه أن نشتري سجائرنا الخاصة وعلى سبيل الاستقلالية سندخن ماركة مخالفة لسجائر والده.
بقيت متشككًا في القصة لكنه ختم الحكاية قائلا سحبت نفسا من سجارتك ملأت به صدرك ثم نفثته وقلت لي قسم نفسك أربعة أرباع ربع لطعامك وربع لشرابك وربع لنفسك وربع لمزاجك.
انطلقت ضاحكا في المستشفى، حين سمعت النهاية، هذه حكاية تشبهني. بعدها بأشهر ضبطني قريب لي بيدي سيجارة فجلدني جلدًا تبت بعده وأقلعت عن التدخين إلى الأبد
تكلم نايف محاولًا إعادة الاعتبار لي بعد حالة السكون التي أعقبت انتهاء الحكاية، وقال بس ترى تغيرنا وإنت صرت شخصًا مختلفًا الآن، هززت رأسي موافقًا على كلامه: نعم تغيرت ، تغيرت إلا ربع.