بيكاسو

 

بالمعنى الأولي للصوصية لم يكن لصاً، كان فيلسوفاً كادحاً، وتلهفه الآن تحت النافذة ليس لإصابته بنزلة رئوية، وإنما عَرَضٌ لارتفاعِ الإدرنالين في جسده.

بدافعٍ من الغضب قرر اقتحام شقة الثري المتعجرف الذي ركل سلة طعامه ظهيرة اليوم، دفعه إلى هذا اعتقاده أن قيمة الوجبة لديه تساوي عشرة آلاف من مالِ هذا الثري، وأثر العقوبة ليست في عدالة المُمَاثلة، بل عدالة النتيجة -هكذا حدَّثَ نفسه- ماذا سيضر هذا الثري لو أنفق عشر عملات ورقية عِوضاً عن الغداء الذي أتلفه؟ لا شيء. وسيعود كل مرة لركلِه، لكن عشرة آلاف ستردعه عن أفعاله، إنه يقوم باسترداد حقه المُهْدر. نَدَّت منه ابتسامة لعبقريته.

تُقْلِقُه التفاصيل ولك أن تقول: تتملكه التفاصيل، يصبغ ما يتناوله بـ(لمسة فنية) -كما يسميها-، ويعزو عدم شهرته كفنان إلى عوامل النشأة.

فكَّر وهو مايزال متقرفصاً أسفل النافذة: سأكون في اللصوصية كبيكاسو في الفن، هذا بالضرورة دفعه للتفكير في لمسته الفنية، هل سيضرب حرف (Z) في الغرفة بعد سرقتها كـ (زورو) مثلاً؟ هز رأسه رافضاً الفكرة، لا معنى للتخريب هنا، وحينما لم يصل بتفكيره إلى التوقيع الذي سيختاره؛ أجَّلَ موضوع لمسته اللصوصية إلى وقت لاحق.

بدأ خطواته باتجاه باب الغرفة، مُحاذراً الاصطدام ومهتدياً في طريقه بتلمس الجِدار، مرَّ في سيره بخزانةِ أرففٍ طويلة، لها رائحة ورق الجرائد، وعليها بعض الريحان والورد الذابل بداخل زهرية، توقف أمامها وبدأ يستوضح في العتمة ما يجاور الزهرية، لاحظَ تقشر سطح الطاولة ورزمة الرسائل، وأثار فضوله إطار صورة صغير، يختبى وراء الزهرية، تناولَه مُحَاذراً صدم الأشياء على سطح الخزانة، وتحرك باتجاه النافذة؛ ليُشاهد الصورة بوضوح على الضوء القادم عبرها.

تأمَّل الصورة وبدأ على ملامحه الضجر وأبدى لنفسه ملحوظات انطباعية، بشأن زاوية المصور، وثبات اللقطة وفنياتها، حدَّث نفسه: بإمكاني القيام بأفضل من هذا، وعاد يتأملها مجدداً.

حينما أعاد الصورة إلى الخزانة استاء لعدم ملاحظته موضعها السابق بدقة، وعزم على تَجنب ذلك، فكر في تدوين القواعد التي سيتبعها؛ سيلتزم بها في المرات القادمة. ثم أخرج ورقة من محفظته، وسحب أدراج الخزانة متنقلاً بينها حتى عثر على قلم، دون به بعض الأسطر ثم أعَاده إلى موضعه.

لاحظ قِِنينة عطرٍ صغيرة، مُستترةً خلف الصورة، ركَّز جُهْده على حفظ موضعها، تناولها بطرف أصبعيه، وقربها من أنفه مُغْمِضاً عينه واستنشقها ببطء، رشَّ قليلاً من العِطر على سترته، ثم مسح الزجاجة ليزيل آثار الرطوبة المتكونة بعد الرشة، وأعاد القنينة إلى مكانها الدقيق. شعر بالإثارة لدقة ملاحظته، أدار القنينة مجدداً باتجاه عقارب الساعة، قال في نفسه: لقد كانت نتوءات القنينة باتجاه الساعة الثانية. راقت له طريقة القياس الجديدة، ابتسم في رضى وعاد ليكمل طريقه.

أثناء مُروره مَرَّ بأنامله على الأريكة، شعر بملمسها البارد، وقرر العودة للجلوس عليها قبل مغادرته.

بوقوفه أمامَ البابِ المُفْضي إلى الردهة شعر بالرهبة، سأل نفسه هل تأكد من عدم وجود أشخاص بداخل المنزل؟ ماذا لو قرر صاحب المنزل العودة مبكراً؟ أو أن الحفلة التي ذهب إليها انتهت سريعاً، أو تناول طعاماً سبب له حساسية ودفعه إلى العودة، ربما أنه تناول مأكولاً بحرياً أثار في عينيه الحكة؟ ثم تساءل من يأكل طعاماً بحرياً؟

شَعَر بتردد، قرر التَريث قليلاً ولكن الوقت الذي يمكثه بداخل الغرفة سيجعل فرصة العثور عليه أكبر،  بين فكرة التريث والعجلة اقتنع أخيراً أن يأخذ ما يجده في غرفة الجلوس.لم تبدُ الخِطة أنها تسير حسب المُخططِ لها، وعليه فقَد تسلل إليه شعور بالحنق والارتباك.

شرع يُنَقِّبُ في الغرفة ببطء شديد، يتوقف بين الحين والآخر ليدون بعض قواعده في (فن اللصوصية)، اضْطره ذلك أن يمزق صفحتين من روزنامة الأجندة الخاصة بصاحب المنزل لكتابة قواعده، ويستخدم غلافها المقوى جسماً صلباً للكتابة فوقه.

في لحظة ما قرر أنه لن يتطرق إلى اللوحات المعلقة في الغرفة، وأبدى ملاحظات جوهرية حيالها: هذه اللوحات نادرة، وبيعها لدى مهتمٍ بالفنون كفيل بالوشاية بي، ولدى تاجر مسروقات سيعرضها للضياع أو التلف! بدافع المبدأ ترك اللوحات، بعد مرور ساعتين من البحث في العتمة وقعت يده على صندوقٍ من الكرتون المضغوط مغطىً بالجلد، أوحت الهيئة الخارجية للصندوق أنه آلة كمان (Violin) شعر بقشعريرة الحماس، وزفر بارتياح.

كل ماعليه الآن أن يستكمل الجزء الأخير من مهمته، تملكه الزهو والإطراء، شعر بالأسف لأنه لن يثنِ عليه أحدهم، أعلن أنه سيتخذ مساعداً صغيراً يرافقه في مغامراته القادمة، حاور نفسه: لماذا يتخذ الحرفيون والفنانون مساعدين صغار؟ ليساعدوهم؟ لا بالطبع ولكن ليشعروهم بالعظمة، نعم هذا ما سأحتاجه، مساعداً يافعاً يدون بطولاتي.

قبل الانتهاء تذكر رغبته بالجلوس على الأريكة. اختار أريكتين متجاورتين، وضع الكمان على إحدى الأريكتين وجلس على الآخرى، ثم فجأةً وكأنه تذكر أمراً مُفْزعاً قفز مستدركاً، وتنحنح ثم أحنى رأسه لضيوفه الوهميين وقال بنبرة جشة: سيداتي سادتي تفضلوا. وأرجع سترته الوهمية إلى الخلف، ثم جلس واضعاً ساقيه على بعضهما.

أغمض عينيه وأعاد رأسه إلى الخلف وانطلق مفكراً في الآلة التي سرقها للتو، ومراجعاً قواعده اللصوصية، شعر بحاجة للاستلقاء، أنزل صندوق الآلة ثم وضعها مستندةً بجوار ساقه، خلع حذاءه ببطء رفع ساقية واستلقى بعرض الأريكة، بقي مغمضاً جفنيه، ويده تتحسس غنيمته الأولى، شعر بالجوع، وتذكر أنه لم يتناول طعاماً منذ ثلاثة أيام، وضع يديه على بطنه ليسكت جوعه قليلاً.

في السادسة صباحاً كشف ضوء الشمس عن أوراقٍ متناثرة، ودفتر أجندة ممزق، وكمان بلا أوتار، وجثة جائعة ترقد بسلام على الأريكة.

                 -تمت-

الأحد

١٤٣٧/٤/٢١ هـ           

2016/1/31

رأي واحد حول “بيكاسو

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s