كل الأشياء هادئةٌ على السطح!

مضى أسبوعان عجيبان بعد آخر تدوينة في اليوميات ، أحداث يومية متوالية، وأفكار ازدحمت في رأسي أما على السطح فكل شيء يبدو هادئاً..
كنت احكي لصديق منذ أيام عن السنوات الثلاث الفائتة وأخبره أنها أطول مدة أقضيها في مكان واحد واشتكيت من شعور الصدأ في روحي وأني عشت وعملت في معظم المناطق عدا الشمال ومن عجيب الأقدار أني أكتب تدوينتي هذه على مسافة أكثر من 1100 كيلو شمالًا، في مكان جديد وعمل جديد ووجوه جديدة، لم أختر هذا الانتقال ولم أحبه، وأعلم أن خيرا كبيرا يختبئ خلفه وسيظهر لي.
أكتب ودرجة الحرارة تقترب من الصفر، متدثرًا بطبقات صغيرة وكثيرة من الثياب لأحافظ على دفء أطرافي – كنت قرأت هذه المعلومة قبل أشهر ولم أتوقع أني سأحتاجها يوما-
على وجوه أصحابي ارتسم بؤسٌ كبير حين علموا بانتقالي، لكن الانتقال هو ما كنت أحتاجه حقا – وإن لم يكن على هذا النحو المفاجئ والمتطرف -.
بُني وعيي في مرحلة متقدمة على الارتحال والتوديع ووجوه الغادين والرائحين، ورائحة المنازل المرممة، والليالي الطرية في المساكن الجديدة، والمصافحة الأولى لوجوه الجيران، والصداقات التي تخبو سريعا، وعداوات تصيرها الأيام صحبة وثيقة، والأثاث المُهشم لكثرة الرفع والتحريك، وطاولة مكتب دخلت بها سبعة بيوت ولم أكتب عليها حرفًا، ودولاب المطبخ الذي أصبح رف كتب في منزل آخر، ومكيف ضاعت أزراره بين الأحياء وسيارات النقل، ووحشة النظرة إلى منازل لم تعد لنا … على سيرة لمنازل التي لم تعد لنا كنت أتعمد بعد خروج الجميع ترك شيء خلفي، جورب مثلا أو ملعقة معدنية، أو عجلة دراجة لا يستفاد منها؛ أترك رائحة للأرواح في غيبتنا. خطر لي في إحدى الزيارات لمدينة عشت بها أن أقف على حينا القديم بعد سنوات طويلة، فوجدت الشارع أقل رحابة مما كنت أشعر في مراهقتي وظهر “حوش”1 منزلنا أقصر ارتفاعا مما كنت أراه، بدا لي بيتنا القديم وقد انحنى ظهره! وحين صليت في مسجد الحي لم يتعرف علي كبار السن الذين لم يكونوا كبار سن حين عرفتهم !- ولم أجد أقراني، والشباب الذين حملقوا بي لم يكونوا هنا حين غادرنا. لا تزوروا الأماكن القديمة فالوقوف على الأطلال قبر للذكريات.
أعود إلى ذكر الترحال بعد هذا الاسترسال ، حين بدأت حب الشعر حفظت أبيات الشافعي :

والكحل نوع من الأحجار تنظـرهفي أرضه وهو مرمي على الطرق
لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـهفصار يحمل بين الجفـن والحـدق

وقول أبي تمام:

وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌلِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ

يعلمنا الترحال سرعة الأهبة واستقامة الوقفة وملء دفاتر الأيام باسماء النبلاء.
على الهامش: في ترحالي هذه المرة اصطحبت معي رواية جنة وجحيم لـ(كالمان ستيفنسن)، هذا البرد يحتاج شيء يشبهه!
11-6-1442
24 يناير 2021
10:10 مساء
حائل.


1- حوش = سور

رأيان حول “كل الأشياء هادئةٌ على السطح!

اترك تعليقًا على Rahaf إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s