نكرة يجوب الأرجاء

ما أجمل لو كانت الذكريات تنتظم كحبات اللؤلؤ في عقد يمتد من الطفولة إلى الوقت الحاضر ! أو دعنا نستخدم تشبيهاً آخر ونقول: لو صار الجدول الصغير، الذي يتغذى من لحظات الحياة، نهراً يكبر ويتسع حتى يصب في اليوم الحاضر. ولكن الأمر ليس على هذا النحو، بل إنه يشبه البرك الكبيرة والصغيرة المتفرقة بعد الأمطار الغزيرة. لو استطعنا أن نحفر بعصا أخدوداً في الأرض المبتلة بين بركتين متجاورتين، فإن محتواهما يمتزج مُكوّناً ذكرى واحدة شديدة الوضوح. غير أن أغلب الذكريات تظل بركاً منعزلة.
باول مار

لن تتذكر أول مرة أكلتَ فيها طعمية، وعلى الأرجح فإن وعيك يتعامل بتفاهة مع حدثٍ كهذا فيخفيه بعيدًا عن ذاكرتك. أما أنا فأتذكر ذلك، كنت في الثامنة، وقد مضى على انتقالنا إلى جدة ما يقارب السنتين، قضيناها في تنقلات بين بيوت مستأجرة، وفي ذلك اليوم كنا في بيتنا الثالث. هل تصدق هذا؟ ثلاثة منازل في سنتين!
كنت صبيًا انتقل من أقصى الشمال تاركا خلفه صديق طفولته الوحيد؛ ابن جيرانه دحيم، إلى ساحل الحجاز حيث حسن الملقب بكعشه، وأشخاص كُثر لهم ألقاب مناداة كأسماء العفاريت لن تعثر عليها في معجم، جاء الانتقال بدهشة الوجوه المختلفة والركض، والأحداث السريعة وجاء بانفساح الكون؛ فهنا ليس للحي بداية أو نهاية، ولم يعد للبيوت أرقام ولا للشوارع رموز، وهنا غبار في السماء تُعلقه -بكثافة المشي- أقدام الحفاة على الأرض، هنا تذوب هوية المكان فلا يصبح له اسمٌ ولا وظيفة؛ يعبره من أراد بسيارته ليتخذه طريقا أو يحتله آخر فيكون موقفًا أو يقتنص فراغه الصغار فيصبح ملعب كرةٍ محتملًا.
هنا صار للأيام معنى جديدًا بين أشخاص لهم القدرة على تحويل كل شيء إلى لعبة، بدءا من الإطارات المعطوبة وانتهاءً إلى علب الكولا وأغطية القوارير وحين تختفي البقعة التي نتخذها ملعبًا؛ نتنافس في ما يشبه الحياة، فيأخذ كل واحد علبة صغيرة يحرسها من كرات الآخرين، ينتصر في اللعبة من يسقط الآخرين وتظل قلعته محمية إلى النهاية.
لم يكن الانتقال الجغرافي إلى هذا العالم الممتد يعني شيئا أمام شعوري بانتقال حياتي من المتن إلى الهامش؛ استوعب الطفل المتمركز حول ذاته وأنانيته عالمًا أكبر منه لا يدور حوله ولا يأبه له، وبقدر الحزن الناجم عن شعور الضآلة؛ شعرت بالانتشاء لوجودي في عالم رحب لست ملحوظا فيه ولا ملفوظا، الجميع لا يعرف الجميع، ولم يعد دخول الحارة المجاورة بالخطأ سبيل للتعرض للأذى أو أن يسألني أحدهم: “ولد من أنت” 
ومضيت إلى أبعد نقطة أعرفها؛ مسجد الحارة . وأمامه غير بعيد عن بابه، لقيت جمعًا من كبار السن على دكة عالية جدًا بلا جدار يمنع أحدا عن السقوط، مجتمعون إلى بعضهم بلا نظام، تختلط أصوات حديثهم، ولا يمكن تبين من يقصد كل متحدث فيهم بكلامه، يمر من بين أيديهم أطفال وأحفاد دون أن ينقطع حديث أو يدور نظر، وكأجنبي يدخل إلى عشيرة توقفت منتظرًا أن تستنكرني العيون، ولما تأكدت أني لم أخرق محظورا انطلقت متجنبا النظر إليهم حتى وقفت عند باب واسع مفتوح إلى الشارع تعلوه لوحة مكتوب عليها (بوفيه) وفي أعلاها إلى اليمين مروحة شفط مهولة اختلط الغبار على هيكلها بدسومة الزيت، تخرج منها رائحة قلي عجيب، اقتربت لأرى على ماذا يتجمع هؤلاء فوجدت رجلا يقف أمام قدر زيت عظيم وبيده ملعقة حديدية بها من الفراغات أكثر مما بها من الحديد، يديرها في المقلاة ثم يرفعها بطريقة من يجني صيدًا، مملؤة بحبات بنية ينفضها أربع مرات سريعة ثم يرفعها خامسة ويخفضها ليقطر منها آخر ما يمكن نفضه من الزيت ويميلها إلى الجنب، وقبل أن يشرع في تقسيمها على الواقفين يمسك أداة مجوفة يحشوها بمادة خضراء ويلقيها بحركة سريعة وتلقائية وهو يحرك شفتيه بحساب كم قطعة ألقى في قعر الزيت، يصنع ذلك وعينه تدور في الأطفال حول منضدته ويوجه حشدهم بإشارات وجهه وحين يخرج الوضع عما يريد يصرخ بلهجة سودانية “يا ولد” ليسود النظام مجددًا.
رأيتهم يأخذون علبًا زجاجية من مشروب غازي يفرغونها في كيس ويضعون بداخله مصاصًا ويقولون نص نص ويمدون إليه ريالا فيناولهم كيسا، اختلست نفسي إلى البيت وتسولت أمي ريالا ثم عدت أركض قبل أن يدركني المغرب وخيل لي أني زدت كثافة الغبار في الجو وحين وصلته ناولته الريال وقلت له نص نص فمد لي كيسا بنيا وقبل أن ألتقطه قلت له وش هذا قال لي طعمية! فأخذته وأخذت مشروبي ثم بالخارج نظرت إلى الكيس الصغير فوجدت به ثلاث قطع قضمت الأولى ثم الثانية والثالثة وكان المذاق جديدًا على فمي ساخنا ومقرمشا ولذيذا وندمت على نصف الريال الذي أهدرته على كيس ميرندا لا حاجة لي به، عدت إلى البيت وأنا أمتلك مخططًا للغد
في اليوم التالي أخذت ريالي وناولته إليه قائلًا بريال طعمية يا محمد فترك الكيس الذي أمسك به ونزل بجذعه قليلا ليخرج كيسا كرتونيا أكبر منه وضع به ست حبات ثم نظر إلي نظرة فاحصة قيّم بها وجهي وزاد حبة سابعة ثم مد إلي الكيس فخرجت به مسرعًا حتى أصل قبل أن تذهب حرارته، وفي الطريق لم أتمالك يدي فأكلت قطعة، وصلت البيت ووجدت أخواتي الصغار ووالدتي في الصالة قرب باب الحوش الذي يُسقط ضوءًا يغمر منتصف البيت، ألقيت عليهم الكيس وعيني تترقب ملامحهم وهم يتذوقون هذا الشيء الغريب لأول مرة، لقد جربت شعور البحارة الذين يجلبون التوابل من خلف البحار .
علمت بعد ذلك أن الناس يصنعون منها ساندويشات وكنت أظنها تؤكل مستغنية بنفسها عن الحشو والتغميس. بعد سنتين أو ثلاث صارت الطعمية خارج مفضلاتي الغذائية، ولا آكلها إلا مضطرًا.

رأي واحد حول “نكرة يجوب الأرجاء

أضف تعليق