الخائن الذي يجهل نفسه

تُشكل مقولات الحرب وما تناقلته الأمم في شأن الصراع إرثا عظيما في التجربة الإنسانية، يتجاوز الحرب إلى الحياة؛ ويجعلُ المتأملَ فيها بعيدَ النظرِ، متسعَ الأفق، وإن افتقرت حياته إلى التجربة الكبيرة. مما أتمثل به في هذ الإرث الإنساني عبارة بارعة تقول: أن أكون فرداً في جماعة الأسود أحب إلي من أن أكون قائدا لقطيع النعاج. ولك أن تستعمل مواهبك التأويلية على عشرات الأوجه لتستنطق المقولة بمُثل وأفكارٍ تمتثلها في حياتك، لكني اليوم أنظر إليها من زاوية مختلفة.
لا تتشكل معضلة قطيع النعاج في ضعفها فحسب؛ فمع القليل من التصرف والتدبير يستطيع أضعف الكائنات الفتك بمن يفوقه قوة، أو النجاة على أقل الأحوال بغريزة البقاء. لكن تكمن مشكلة النعاج أنها سريعة الهلع. وتتفاقم المشكلة بسبب ما يتصف به الهلع من قدرة كبيرة على الانتقال بشكل معدي ليضعف عزيمة الشجاع.
يضخم الهلع الأمور فتبدو أكبر وأقرب من حقيقتها، ويرسم لنا أزمات لن تقع، أو إن وقعت ففي أحيان كثيرة تكون أخف وطأة مما رسمته عقولنا، يعجز الهلوع عن المضي قُدُمًا ويجد نفسه مدفوعا إلى الاستسلام والتمدد استعدادًا للذبح1، وتتحول تجربة العمل والعيش مع الهلوع إلى تجربة مؤذية، تولد القلق والتوتر لمن يحيط به.
وعلى خلاف معظم الصفات البشرية يولد الهلع صغيرًا ويتعاظم في نفس صاحبه بازدياد الأمور التي يخشى فقدها، وهذا ما يجعل اعتياد رباطة الجأش وثبات النفس سلوكٍا قيما لا يعلم الإنسان متى يحتاجه و متى يخونه.
في كل الظروف التي ستمر بها سيكون السكون وهدوء البال وقلة التوتر أهم التصرفات التي تعينك -بعد توفيق الله- على تخطي أكدار الحياة.
على الهامش :
– كان الملصق الشهير “حافظ على هدوءك واستمر” أو “Keep Calm and Carry On
أحد الوسائل التي استعملتها حكومة المملكة المتحدة عام 1939 أثناء الحرب العالمية الثانية لتعزيز معنويات الشعب لعبور الحرب.


1- تنقل كتب التاريخ نماذج للهلع الذي يصيب الجموع فيشل قدرتها على التفكير وقد ينزل الرجل الواحد بجماعة من الناس يفوقونه عددا فيذبحهم ولا يستطيعون رده

مفتتح خطى..

اقترح عزيزٌ علي أن أغير اسم المدونة فغيرته إلى الاسم الذي تراه، كنت أكتب هنا في وقت ما مستشعرا الهبوط على أم رأسي ولذا سميتها (هوة)، لكن بعد انقطاعي عن وسائل التواصل صارت الكتابة بمثابة فرجة أطل منها على العالم.
أدون هذا المنشور في الليلة التي صبيحتها الأحد 3 يناير 2021 ولأني حتى اليوم لم أنجح في تعديل موعد نومي فمنذ الخامسة عصرًا أحمل هم الاستيقاظ لعمل الغد.
انقطعت عن القراءة بعد السادس من أغسطس 2020 وكل محاولات العودة إلى القراءة منذ ذلك الوقت كانت باردة عديمة الشغف مدفوعة بشعور الواجب لا أكثر. إلا أني افتتحت السنة الميلادية بقراءة عمل أدبي شهير أجلته سنوات طويلة، وجاوزت البارحة ربع الرواية بمشاعر متناقضة حيالها، لا تعجبني وفي الوقت نفسه لا أستطيع التوقف عن المضي فيها، وأنوي كتابة مراجعة لها في حساب المتجر على قود ريدز و الانستقرام. أعلم أن المراجعة لن ترضي كثير من محبيها وستبعث غضب المسبحين بحمدها، واستشعر منذ الآن وكأني أقدم على سب مقدس من المقدسات.
في الجانب الآخر أخصص نصف الوقت للقراءة في موضوع ما إستعدادًا لمشاركة سأقوم بها نهاية هذا الشهر في صالون ثقافي.
كانت خطتي إفراد التدوينة الأولى بالحديث عن التدوين لكن وجدت الوقت مبكرًا للتبجح بهذا ويكفي القول “إن التدوين المطول والمستقل بعيدًا عن خفة وسائل التواصل هو الشكل الأكثر رصانة لهذا النوع من الكتابة.”
هذه دعوة للمشاركة في الفكرة وإحياء ممارسة التدوين المنتظم ، ليست كالدعوات الإحيائية التي يقوم بها المؤمنون بالأفكار الغريبة المندثرة، بقدر ما هي تعزيز لشكل إنساني من أشكال الفن الأدبي، ينمي ملكة القارئ والكاتب.
مختتم:
– كل منشور هو مشروع تدوينة غير ناضجة أعود إليها مرة أو مرتين أو ثلاث لأتدارك الحشو والأخطاء والهفوات واستبدل الجمل بما هو أفصح منها، لذا تعاملوا معها مثل الفاكهة الخضراء القاسية اتركوها على الرف قليلاً لتزداد حلاوة.
– سأترك التدوينات الشخصية التي تشبه اليوميات دون اسم أو أكتفي بعنونتها بتاريخ اليوم الذي أنشرها فيه.

سنة العزائم المنقوضة

اللهم فارحم ضعفنا حتى نتوجه إليك قاصدين، ونفوض أمرنا إلى تدبيرك راضين، ونتوكل عليك منيبين.. اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالاقتار: فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء وبيدك خزائن الأرض والسماء.
من دعوات التوحيدي في المقابسات.

في فترة سابقة اتجه همي إلى الإطلاع على ما كتبه أهل التصوف في شأن الأنفس وعلق بذاكرتي مما علق من كلامهم جوابُ صوفيٍ سُئل عن طريقه إلى العرفان فقال: نقض العزائم. حين أنظر إلى الخلف أنظر إلى أيام مليئة بالعزائم المنقوضة. ومن وحي مقولة المتصوف تنبثق برأسي فكرة تقبل التمدد إلى تنمية حياتنا المادية. فأقول إن الدرب الأرحب إلى حكمة الحياة هو الشعور المؤلم بالإحباط الذي تصيبنا به العزائم الكليلة والخطط الخاسرة والأصدقاء الذين لم يتحملهم الطريق أو لم يحتملوه .
بدأت في 2016 خطة خمسية أحاول بها إنقاذ ما أستطيع إنقاذه ؛ بتعلم عادات جديدة على أمل أن يستمر ذلك فعلا تراكميًا في السنين اللاحقة، فشرعت أقرأ في فنون متنوعة ودخلت في 2017 إلى أعمال جديدة، وفي 2018 دربت نفسي على مهارات تنظيمية أنجز بها أعمالي، ثم كنت في 2019 أكثر تركيزا على الغذاء والرياضة والإلتزام بالتوقف عن الخروج في مواعيد إرتجالية وتخصيص القراءة في أفكار معرفية محددة، وجاء 2020 – وأنا هنا أحكيها بصيغة التذكير وضعًا لها في خانة المصائب التي يتحملها الذكور- وانهار بهدوء بناءٌ من العزائم حاملا معه الكثير من مكتسبات أعوامي السابقة.

ولكن يأتي نقض البنيان ليفتح لي دربًا يكشف الذات ويزيل غشاوة الأمنيات وغرور المنى والاسترسال اللذيذ في السهل المنبسط من دغدغة الليالي والأيام.

في طرف عام ينقضي ألملم ما تبقى وأجدني أكثر إدراكًا لما تساقط على طول الطريق. وأجسر على مغادرة المركب، والدرب، والصحب، وأكثر قدرة على محاكمة الاهتمامات والأفكار التي زاحمتني
على مشارف العزائم المنقوضة أقف، أكثر إيمانا بضعفي وقلة حيلتي، وأكثر تصالحًا مع فكرة التخلي، أقف موقنًا أن إدراك العجز أول فنار الطريق .
في عامي القادم أرجو أن تحملني خطواتي إلى عتبات تنظر إليها عيني، وأن تكون الخطوات الثابتة الصائبة
على الهامش: خطتي الحالية أن أعود إلى النوم مبكرًا.

أخيرًا يقول أحمد شوقي بشير:
تتشابك الأفكارُ
يبتعد المدى
ذعرٌ قديمٌ
والضياء ضنينُ
في البالِ:
أيام أخاف قدومها
في البالِ أيام مضت وحنينُ
الراحلون الآنَ:
قمرٌ في دمي،
قربٌ بعيدٌ
يختفي ويبينُ
أصواتهم
تأتي إلي وتنجلي
طعم التبعثرِ مالحٌ وحزينُ.

الثلاثاء 14 – 5 – 1442

29 ديسمبر 2020

10:26 ليلًا

مقبرة الاسماء

11-10-2020
02:02م

يتصل بي كهل من أقارب أبي يسألني عن العمل في دائرة حكومية لا أعرف عملها ولا أعرف أحدًا يعمل فيها، أتلقى كثيرًا اتصالات من هذا النوع وأتكفل بإنجازها، قبل أن ينهي اتصاله قال لي: “مشكور يا فلان” وخاطبني باسم والدي. اعتدت في طفولتي أن يناديني خالي -سهوًا- باسم والدي، وبعد وفاته انتقلت العادة إلى زوجته، فكانت تخطئ اسمي كل مرة وتضحك خجلة ثم تلوم نفسها وتصحح الأمر، حين أسترجع طفولتي أجد أن هذا لم يكن الاستثناء بل القاعدة، نعم كانت القاعدة أن أُنادى من قبل الكبار -على سبيل الخطأ- باسم والدي، قليلة هي المرات التي نوديت فيها باسمي، وكانت نداءات باهتة. خطأ الكهل هذا اليوم أيقظ فكرة مجنونة في رأسي! – في أيام أخرى لطيفة لم يكن الخطأ سيلفت انتباهي -، لكن الأيام الثقيلة تزيد الرهافة تجاه المفارقات.
لقد كنت أتلاشى منذ البداية خلف أسماء ليست لي، اسم والدي في طفولتي، وألقاب تنابزية في مراهقتي، وعشرات المعرفات بأسماء مستعارة كتبت بها في الشبكة، المعرفات التي قتلتها أثناء نومها بخنق هادئ.
كنت محكومًا بالأسماء التي ماتت دون جنازة محترمة؛ لأنه لا أهل لها.

لم أقرأ يوماً لأتعلم ..

في صباي نشأت بحي شعبي يتجمع الناس بداخله في تكتلات وفقاً لصلاتهم العائلية وقرابتهم، وتتحدد مكانة الفرد وسطوته بعدد أقاربه، فالمزعج أنور مثلاً يتلفظ على الجميع ذهاباً وإياباً ولا يقترب منه أحد لأن العصابة المكونة من أشقائه وأبناء عمه ستفتعل معركة دامية.
كنت أكبر أولاد أسرتي والذكر الوحيد في أقربائي ولذا كنت الأضعف بداخل الحي. شاركني ضعف الموقف صديقي “وليد”، الذي كان يصغرني بثلاثة أشهر وليس لديه من الإخوة إلا شقيق يكبره كثيراً ويقضي عامة يومه خارج الحي، كان شقيقه ذا قامة فارعة يلقبه الجميع بالزرافة، هادئ الطباع، يبتسم بشكل محير يصعب تفسيره.

متابعة قراءة “لم أقرأ يوماً لأتعلم ..”

سقف

اعتدت أن أبِيتَ كلَ ليلةٍٍ مُحَدِّقاً في سقف غرفتي، مُحَوِّلاً إياه إلى سبورة أوهامي. بوسط سقفي رَسمتُ ابتسامة كبيرة لتحييني صباحاً.

كلما سكنت منزلاً جديداً توقفت لأتأكد من السقف، رفيق الليالي المؤرقَة.

أكْرَهُ الأسقفَ الملونةٍ، قاتمةً كصدأ، وحلَِةٌ كمستنقعٍ ضحل. أفقد عليها أفكاري باستمرارٍ،  وأبات حتى الصباح ملطخاً فيها.

حِينما سكنْتُ بالسكن الجامعي لم يكن بغرفتي تلك الليلة مصباحٌ علوي؛ بقيت ليلتين أقبع في الظلام ريثما بدَّلْتُ المِصباح، بعد هذه السنواتِ الطويلة  لا أذكر من سقف حجرتي الجامعية إلا أنه مظلماً، وحيداً، كأول ليلة.

أُحِبُ السقف الخشبي أُقَسِّم عوارضه الخشبية إلى حدودٍ وهميةٍ، إلى دولٍ تَشْتَعلُ الحرب بينها على ملكية المروحةِ المُعلقة بالمنتصف، وأضحكُ بمكرٍ كـ (دولة عظمى). السقف الخشبي حميميٌ قريب؛ يحنو عليك كوجْهِ طفلة، ويَعْقِد لك مع العناكب المستوطنة زواياه عقدَ ميثاق ومودة، يُخيّلُ إليَّ أن عوارضه تدنو حين أغفو لتلامس أرنبة أنفي. السقف الخشبي عربي كريم.

السقف المتشقق:آيلٌ للسقوط، قد تسقط منه أحلامك، وقد يسقط عليك قبيل الفجر.

السقف المستعار، منافق متحرك، يخبئ خلفه الفئران، و الحشرات، و الرطوبة، و الفساد. السقف المستعار سلطة لتمرير فساد السقف المتشقق، وقناعٌ يخفي مروءة َالسقفِ الخشبي.

في السجن لم أنْعَم بترَف الأسقف، لكن تعلمت أن السقف العالي يسبب برداً وهُوْة، والسقف المتدني يبقيك دافئا ومطأطأً منحطاً، المرة الوحيدة في السجن التي حظيت بسقفٍ عادي كان سقفاً تبدو  فيه دائرةُ رطوبةٍ كبيرة تكونت من صف الحمامات التي تعلوه، ولأول مرة أنام منكفئاً على وجهي؛ فضلت الاختناق إختيارياً بقاذورات المخدة عن استقبال قطرات بشرية غير متوقعة من سقفٍ قذر.

حينما أطلق سراحي صُدمت لمنظر السماء بلا سقف، لقد نسيت طعم الفراغ.

ليلة ودنة

حينما دخلت مكتبته، أبصرت بنياناً بلا جدران – أو هكذا خُيل إلي- على ارتفاع الجدار وعرضه تراصت الكتب وكأنها جزء من تكوينه الصخري، مجلدات من أنواع شتى بعضها متفقة الحجم واللون، وبعضها متباينة، وفي إحدى الأركان، كتب رُصّت بشكل أفقي؛ لضيق المساحة.

بعد أن أبلغته بدعوة والدي له إلى وجبة الغداء غداً، بقيت فاغراً أنظر في المكتبة، ورائحة الورق تتسلل إلى أنفي كرائحة (جذور الملوخية). لاحظ وقفتي الطويلة فتنحنح ليعيدني من تحليقي، التفتت إليه مغموراً بوهج الدهشة وسألته:

هل قرأتها جميعاً؟

ضحك في حنو و رفع نظارته بيده اليسرى عن وجهه؛ فشعرت بسطحية السؤال وسذاجته فاستدركت قبل أن يتكلم :

أقصد هل هي جميعاً لك؟

نعم بالطبع لي!

قربت وجهي من أحد الأرفف أتهجأ الحروف الذهبية المتلاشية من ملامسة الأيدي، قرأت الاسم ثم سألته:

ماهي ليلة دونة؟

ضحك حتى كاد أن يسقط من كرسيه، ثم قال مصححاً:

كليلة ودمنة

ماهو كليلة ودمنة؟

حيوانات من بنات آوى

يحكي قصة حيوانات؟

نعم

يبدو قديما؟

نعم قديم جداً، كتب منذ ألف عام.

أوووه حينما كانت الحيوانات تتكلم؟

من أخبرك بذلك؟

أمي تقول أن الحيوانات كانت تتكلم قديماً.

نعم حينما كانت تتكلم (قالها مسايراً عقلي).

ألتفتت أتامل بقية ملامح المكتبة، شاهدت الأوراق الملقاة على الأرض، و الكتب المكدسة فوق الطاولة الخشبية وبجوار فراش نومه.

كان المنظر يشبه حكاية أسطورية، والجو مهيب كمعبد مقدس، قلت له:

منذ متى وأنت تجمع الكتب؟

ابتسم لأسئلتي المتلهفة وأجاب:

منذ أن كنت صبياً.

لأنك لم تكن تمتلك تلفازاً؟

بل امتلكت ماهو أفضل من التلفاز، هل شاهدت روبن هود؟ أو آوليفر توست؟

نعم وأحبهما كثيراً.

لقد شاهدتهما قبل أن يدخل التلفاز إلى البلدة

كيف!

قرأتهما و شاهدتهما في رأسي، لقد تفننت في رؤيتهما، وألبستهما كما أريد، ورسمت على وجوههم التعبيرات التي تقنعني، وتحررت من عقل مخرج التلفاز.

لم أفهم ماهو عقل المخرج ومع ذلك شعرت بالغرق في كلامه وكأني أسبح في سحابة بعيدة، أخذت نفساً عميقاً وقلت:

تقرأ كثيراً؟

معظم يومي.

يقولون في المدرسة أن الذي يقرأ كثيراً يصاب بالجنون.

شعرت بالخجل من الضحكات التي انطلقت منه بصورة مباغتة، واحمر وجهي، خشيت أن يظن أني أتهمه بالجنون.

هل عثرت على رجلٍ فقد عقله من الكتب؟

لا أدري

لم يحدث ذلك يابني، هذه مقولة أشاعها أصحاب المطاعم لملء جوفك بالطعام بدلاً من عقلك، الجنون الذي يصيب القارئ ليس من الكتب، بل لغباء البشر، حينما تقرأ ستصبح حاد الذهن لن تعود ذلك الأحمق مجدداً ولن تطيق العيش مع هذا العالم المجنون، وحينها سيقولون أنك جننت.

ثم سكت ونظر إلى مكتبته سارحاً، شعرت بالإبطاء عن والدتي وتأخري في المكث عنده فحييته مودعاً و انصرفت أركض مسرعاً و قبل أن أصل إلى الباب التفتت وقلت له:

هل تعيرني (كليلة ودمنه).

تمت

السبت: 1437/6/3 هـ

2016/3/12 م 

الخامسة مساءً

قناع

في بلاد الأقنعة فازت ملامحه الحزينة بجائزة “الأكثر واقعية”علقت صحيفة العاصمة أن تنكره هذا أتقن ماتوصل له الناس.أمر الحاكم أن ينقل بعد وفاة مالكه إلى متحف المدينة.بعد سنة مات وحيداً في مستشفى العاصمة.تضمن تقرير الطبيب أن الميت فارق الحياة نتيجة نوبة قلبية حادة وتحت خربشاته الطويلة وضعت ملاحظة صغيرة للجهات المختصة:

(الميت لم يضع في حياته أي قناع!)

بيكاسو

 

بالمعنى الأولي للصوصية لم يكن لصاً، كان فيلسوفاً كادحاً، وتلهفه الآن تحت النافذة ليس لإصابته بنزلة رئوية، وإنما عَرَضٌ لارتفاعِ الإدرنالين في جسده.

بدافعٍ من الغضب قرر اقتحام شقة الثري المتعجرف الذي ركل سلة طعامه ظهيرة اليوم، دفعه إلى هذا اعتقاده أن قيمة الوجبة لديه تساوي عشرة آلاف من مالِ هذا الثري، وأثر العقوبة ليست في عدالة المُمَاثلة، بل عدالة النتيجة -هكذا حدَّثَ نفسه- ماذا سيضر هذا الثري لو أنفق عشر عملات ورقية عِوضاً عن الغداء الذي أتلفه؟ لا شيء. وسيعود كل مرة لركلِه، لكن عشرة آلاف ستردعه عن أفعاله، إنه يقوم باسترداد حقه المُهْدر. نَدَّت منه ابتسامة لعبقريته.

تُقْلِقُه التفاصيل ولك أن تقول: تتملكه التفاصيل، يصبغ ما يتناوله بـ(لمسة فنية) -كما يسميها-، ويعزو عدم شهرته كفنان إلى عوامل النشأة.

فكَّر وهو مايزال متقرفصاً أسفل النافذة: سأكون في اللصوصية كبيكاسو في الفن، هذا بالضرورة دفعه للتفكير في لمسته الفنية، هل سيضرب حرف (Z) في الغرفة بعد سرقتها كـ (زورو) مثلاً؟ هز رأسه رافضاً الفكرة، لا معنى للتخريب هنا، وحينما لم يصل بتفكيره إلى التوقيع الذي سيختاره؛ أجَّلَ موضوع لمسته اللصوصية إلى وقت لاحق.

بدأ خطواته باتجاه باب الغرفة، مُحاذراً الاصطدام ومهتدياً في طريقه بتلمس الجِدار، مرَّ في سيره بخزانةِ أرففٍ طويلة، لها رائحة ورق الجرائد، وعليها بعض الريحان والورد الذابل بداخل زهرية، توقف أمامها وبدأ يستوضح في العتمة ما يجاور الزهرية، لاحظَ تقشر سطح الطاولة ورزمة الرسائل، وأثار فضوله إطار صورة صغير، يختبى وراء الزهرية، تناولَه مُحَاذراً صدم الأشياء على سطح الخزانة، وتحرك باتجاه النافذة؛ ليُشاهد الصورة بوضوح على الضوء القادم عبرها.

تأمَّل الصورة وبدأ على ملامحه الضجر وأبدى لنفسه ملحوظات انطباعية، بشأن زاوية المصور، وثبات اللقطة وفنياتها، حدَّث نفسه: بإمكاني القيام بأفضل من هذا، وعاد يتأملها مجدداً.

حينما أعاد الصورة إلى الخزانة استاء لعدم ملاحظته موضعها السابق بدقة، وعزم على تَجنب ذلك، فكر في تدوين القواعد التي سيتبعها؛ سيلتزم بها في المرات القادمة. ثم أخرج ورقة من محفظته، وسحب أدراج الخزانة متنقلاً بينها حتى عثر على قلم، دون به بعض الأسطر ثم أعَاده إلى موضعه.

لاحظ قِِنينة عطرٍ صغيرة، مُستترةً خلف الصورة، ركَّز جُهْده على حفظ موضعها، تناولها بطرف أصبعيه، وقربها من أنفه مُغْمِضاً عينه واستنشقها ببطء، رشَّ قليلاً من العِطر على سترته، ثم مسح الزجاجة ليزيل آثار الرطوبة المتكونة بعد الرشة، وأعاد القنينة إلى مكانها الدقيق. شعر بالإثارة لدقة ملاحظته، أدار القنينة مجدداً باتجاه عقارب الساعة، قال في نفسه: لقد كانت نتوءات القنينة باتجاه الساعة الثانية. راقت له طريقة القياس الجديدة، ابتسم في رضى وعاد ليكمل طريقه.

أثناء مُروره مَرَّ بأنامله على الأريكة، شعر بملمسها البارد، وقرر العودة للجلوس عليها قبل مغادرته.

بوقوفه أمامَ البابِ المُفْضي إلى الردهة شعر بالرهبة، سأل نفسه هل تأكد من عدم وجود أشخاص بداخل المنزل؟ ماذا لو قرر صاحب المنزل العودة مبكراً؟ أو أن الحفلة التي ذهب إليها انتهت سريعاً، أو تناول طعاماً سبب له حساسية ودفعه إلى العودة، ربما أنه تناول مأكولاً بحرياً أثار في عينيه الحكة؟ ثم تساءل من يأكل طعاماً بحرياً؟

شَعَر بتردد، قرر التَريث قليلاً ولكن الوقت الذي يمكثه بداخل الغرفة سيجعل فرصة العثور عليه أكبر،  بين فكرة التريث والعجلة اقتنع أخيراً أن يأخذ ما يجده في غرفة الجلوس.لم تبدُ الخِطة أنها تسير حسب المُخططِ لها، وعليه فقَد تسلل إليه شعور بالحنق والارتباك.

شرع يُنَقِّبُ في الغرفة ببطء شديد، يتوقف بين الحين والآخر ليدون بعض قواعده في (فن اللصوصية)، اضْطره ذلك أن يمزق صفحتين من روزنامة الأجندة الخاصة بصاحب المنزل لكتابة قواعده، ويستخدم غلافها المقوى جسماً صلباً للكتابة فوقه.

في لحظة ما قرر أنه لن يتطرق إلى اللوحات المعلقة في الغرفة، وأبدى ملاحظات جوهرية حيالها: هذه اللوحات نادرة، وبيعها لدى مهتمٍ بالفنون كفيل بالوشاية بي، ولدى تاجر مسروقات سيعرضها للضياع أو التلف! بدافع المبدأ ترك اللوحات، بعد مرور ساعتين من البحث في العتمة وقعت يده على صندوقٍ من الكرتون المضغوط مغطىً بالجلد، أوحت الهيئة الخارجية للصندوق أنه آلة كمان (Violin) شعر بقشعريرة الحماس، وزفر بارتياح.

كل ماعليه الآن أن يستكمل الجزء الأخير من مهمته، تملكه الزهو والإطراء، شعر بالأسف لأنه لن يثنِ عليه أحدهم، أعلن أنه سيتخذ مساعداً صغيراً يرافقه في مغامراته القادمة، حاور نفسه: لماذا يتخذ الحرفيون والفنانون مساعدين صغار؟ ليساعدوهم؟ لا بالطبع ولكن ليشعروهم بالعظمة، نعم هذا ما سأحتاجه، مساعداً يافعاً يدون بطولاتي.

قبل الانتهاء تذكر رغبته بالجلوس على الأريكة. اختار أريكتين متجاورتين، وضع الكمان على إحدى الأريكتين وجلس على الآخرى، ثم فجأةً وكأنه تذكر أمراً مُفْزعاً قفز مستدركاً، وتنحنح ثم أحنى رأسه لضيوفه الوهميين وقال بنبرة جشة: سيداتي سادتي تفضلوا. وأرجع سترته الوهمية إلى الخلف، ثم جلس واضعاً ساقيه على بعضهما.

أغمض عينيه وأعاد رأسه إلى الخلف وانطلق مفكراً في الآلة التي سرقها للتو، ومراجعاً قواعده اللصوصية، شعر بحاجة للاستلقاء، أنزل صندوق الآلة ثم وضعها مستندةً بجوار ساقه، خلع حذاءه ببطء رفع ساقية واستلقى بعرض الأريكة، بقي مغمضاً جفنيه، ويده تتحسس غنيمته الأولى، شعر بالجوع، وتذكر أنه لم يتناول طعاماً منذ ثلاثة أيام، وضع يديه على بطنه ليسكت جوعه قليلاً.

في السادسة صباحاً كشف ضوء الشمس عن أوراقٍ متناثرة، ودفتر أجندة ممزق، وكمان بلا أوتار، وجثة جائعة ترقد بسلام على الأريكة.

                 -تمت-

الأحد

١٤٣٧/٤/٢١ هـ           

2016/1/31