بعد صلاة الجمعة رأيت أصغر شقيقاتي تتصفح كتابي الموضوع على طاولة الصالة، ليست من عادتها، لكن فضولا تملكها عقب تدوينة البارحة؛ متيقنة أن اختراعي لأخت اسمها سارة وأخ اسمه بدر وحيلة النظارة لوالدتي التي لا ترتدي نظارات لن يخدعها، ومتيقنة أني أخفي حقيقة واحدة في نص مليئ بحكايا مختلقة، وتظن أن هذه الحقيقة هي وقوعي في الحب. أو هي تود ذلك!. لم تجد في كتاب “بين العالم وبيني” للكاتب تانيهيسي كوتس ما يرضي فضولها؛ رسالة والد أمريكي يسكن نيويورك من أصول إفريقية يروي لابنه سيرته وتأملاته في العنصرية والحالة العرقية، خاب أملها وهي تضع الكتاب. تمنت أن شقيقها الأكبر يقع أخيرًا على وجهه.. ألقيت نص البارحة على كتف والدتي التي لا تعلم عن كتاباتي شيئًا لكن البلاء جاء إلي من حيث لم أتوقع، واضطررت طِوال الوقت أن أرتدي وجها رصينا كلما نظرت إلى هاتفي واتجهم فوق المعتاد خشية أن تفر من وجهي ابتسامة فرح إذا نظرت إليه؛ فتتخذني مادة للغيبة عند صديقاتها. عند المساء وفي وسط حديثي قلت “تصبح التضحية بالرغبات أكبر لذة من الحصول عليها إذا أنفقها الإنسان لمن يحب” ولم تفت علي ابتسامة على طرف فم أختي المشاغبة. قبل ما يزيد عن السنتين أعرت أختي كتاب (حليب أسود) إثر حالة كآبة عارضة بعد الولادة، وحين علمتُ أن أليف شافاق تعبر عنكِ في أحد فصوله طلبتُ من أختي أن تعيده إلي حين تزورنا يوم الجمعة، يذكر أصحاب الكتب أنهم يهربون كتبهم خوفا من أهلهم ولم يسبق لي تجربة الشعور، لكني جربت للمرة الأولى أن استعيد كتابا بطريقة مريبة وكأني أستعيد دليل إدانة ضدي. إدانة بالحب
أمي ضعيفة البصر ولم تساعدها النظارة الطبية على القراءة، ولأنها تعلم أي فتى شقي منغلق على ذاته يقبع بعيدًا؛ فقد أوكلت إلى شقيقتي سارة مراقبة حالة الواتس أب ومنشورات السناب شات، وتدويناتي هنا، وكل مرة أنشر فيها تدوينة توحي باضطراب وجداني عميق تهرع شقيقتي مدفوعة برغبة في النميمة ورصيد ضخم من ضغائن الطفولة للتحريض علي، أحسب أنها بعد قليل ستركض مسرعة إلى أمي وتخبرها أن ابنها قليل الأدب كتب منشورًا يوحي بوقوعه في الحب، ولأن بيتنا الليلة ساكنٌ فوق المعتاد فسيذكر أهلي هذه الليلة لمدة طويلة أنها اليوم الوطني الواحد والتسعين للبلد، والليلة التي أعلنت فيها مشاعري على الملأ. منذ أن عدت من السفر وشقيقي بدر يكرر باستمرار “بك خلاف؟” وأصر أنا بدوري على النفي، لو كان يحسن تجميل الكلمات لقال: “في وسط عينيك أقوامٌ من القلقِ.” سألني أحد العيارين قبل أيام وش بلاك تقرأ عن الحب كثيرًا وبسرعة يكتسبها من اعتاد الهرب، قلت له، يحيرني إنسان ما بعد الحداثة وأود أن أفهم كيف تكونت حياته ومشاعره، لو كنتِ بجواري لهززت رأسك بهدوء وكأنك تمسكين بي متلبسا ثم تقولين وأنت مبتسمة عبارتك المعتادة” يالكذاب“. وجهي يشي بي وعيناي فمٌ ثرثار ولساني يتغصص كلما أردت الحديث ويدي تنتفض منذ غادرت يدك. وأردد منذ أمس نص قاسم حداد:
“أسع المدى وتضيق بي طرقات أرضي أينما أمضي تطاردني الكواسر خيمتي مهتوكة، ولغات أهلي تحتفي بنهايتي وتجس نبضي كلما أرخيت أحلامي على حجرٍ مشى وبقيت في سر المدى وبقيت وحدي”
صوّر لي أحد الأصحاب مجموعة كتب أثناء وجوده في مكتبة بالكويت وقال: “تبي شيء منها؟” وظهر علي الارتباك في مجلس أهلي وأنا أكتب إليه بشكل سريع “إيه أبي مضحك بالفارسية لفيروزة دوماس” وطوال أسبوع مضى كنت أترقب عودته، لأن الكتاب في قائمة كتبي من مدة طويل، وتلهفًا لقراءة شيء ساخر يذهب عني سأم الرطوبة والصيف.
يظن كثير من الناس أن الكوميديا والسخرية اسمان لفعل واحد، وقد تكون الكاتبة أو فريقها الاستشاري في دار النشر لم يهتموا كثيرا بالفرق بينهما وكان هدفهم إخراج سيرة طريفة لطيفة تحقق مبيعات عالية وهو ما تحقق لهم، أما إن كنت تهتم للتفرقة ورؤية الأمور بدقة فهناك فرق بين السخرية وبين ما كتبته فيروزة في هذه المذكرات، الكتاب لطيف وسيجد فيه كثير من الناس حكايا ظريفة، لكني لم أضحك! بخلاف ما وعدني به الغلاف، وحين استرجع الكتب التي أفرطت الدمع من عيني أو أثارت فضول المحيطين بي لكثرة ما أضحكتني فلن تكون هذه السيرة ضمنها. ما لم يعجبني هو: غياب الروح الإيرانية في سرد يفترض به أن يكون حكاية فتاة فارسية تحاول الاندماج في مجتمع أمريكي، النكات مكتوبة بروح أمريكية، وتصويرها كل ماهو إيراني أو ذا عادة إيرانية – عدا أزهار عمتها وتوافه بسيطة- مصبوغ بنظرة غربية استشراقية تهكمية، سيرتها ومعيشتها ونمط حياتها بأكمله ممزوج بهذه الروح، وقراءة السيرة تُشبه رؤية فيلم كوميدي عن أشخاص شرقيين مملوء بالكثير من الصور النمطية المبتذلة المبالغ فيها، حتى وأنت تضحك عليها تشعر بداخلك أن الأمور ليست بهذه الطريقة، في النهاية لا غرابة هي مذكرات فتاة عاشت كل حياتها الحقة في أمريكا وتتحدث عن البلد وأهله بطريقة أقل سخرية وأكثر تبجيلًا. كما لم يعجبني تحويلها السيرة إلى كوميديا مبالغ فيها، جعلت معظم الشخصيات مضحكة وذات سلوك كاريكاتيري مغفلة بتعمد أفعالا وسلوكيات عظيمة قاموا بها، ولعل أكثر المظلومين في سيرتها هو والدها الذي لم ينل حقه من الانصاف.
سخرية السير الذاتية تشدني لمقارنة ما كتبته فيروزة بما كتبه تريفور نواه الجنوب أفريقي الذي كتب تجربته الصعبة في سيرته (جريمة الولادة) وجعل منها مادة مضحكة وساخرة ومفعمة بالأمل والعمق، كنت أقرأ سيرته وأنا أتناول مكرونة باستا بساحة المطاعم في أحد المولات ورأسي يهتز بالضحك وعدد من الأشخاص ينظرون إلي وأيديهم ممسكة بهواتفهم منتظرين أن ألتفت عليهم بعيون مجنونة ليتصلوا بالشرطة مبلغين عن مخبول بيده كتاب ويفزع الأطفال، أضحكني في سرد نواه روايته الحكاية بواقعية مضحكة تشبه كثير مما رأيت في حياتك، ثم ستنتهي من الكتاب مستشعرًا الاحترام لهم، هكذا أفهم أنا السخرية وهو ما لم أجده عند فيروزة. ولأجعل من هذه التدوينة ثلاثية أخرى مثل التدوينة السابقة أشيد بإحدى أجمل السير الذاتية الساخرة سخرية أليمة ومحزنة جدا ، السخرية التي تجعلك تبتسم ثم تلوي شفتيك ندما على هذه الابتسامة سيرة ذاتية لمارك توين . إذا كان تريفور في نهاية حياته الساخرة أستطاع الوصول إلى النجاح أو الثروة فإن مارك توين يصل بك إلى حسرة المعاناة التي لن يفي أي نجاح بشفاء تلك التجربة المريرة التي مع مراراتها أستطاع توين أن يرويها بكل هذه الطرافة. سأكون ممتنا لمن يشاركني سيرة ذاتية مكتوبة بطريقة ساخرة ويسعدني ترك تعليق بذلك أسفل هذه التدوينة.
أخيرا لتسهيل وصول إشعار بالتدوينات المستقبلية ولمشاركتكم الروابط والأمور التي لا يصلح أن تكون مدونات مستقلة فقد أنشأت قائمة بريدية عبر هذا الرابط
(سيصلك منشور بريدي أسبوعي واحد في أقصى الحدود ) وسأقوم الأسبوع القادم بإجراء سحب على 3 كتب ستكون من نصيب أحد المشتركين في القائمة.
لأجل قياس حالتي المزاجية كنت أتابع مجموعة من سلوكياتي، مرة تابعت نومي، ومرة تابعت نشاطي الحركي وقدرتي على إنجاز المهام، ومرة تابعت مستوى الفكاهة والضحك عندي، لكني في النهاية وجدت أن أدق ما أستطيع به قياس حالتي المزاجية والنفسية هو نشاطي القرائي. بالأيام القريبة الماضية حصلت لي فرصة قراءة ثلاثة كتب وهذه التدوينة ستكون شبه مراجعة لها.
قال أحد أصحابي – والعهدة عليه- رحلة الطيران لا تنسى في ثلاث حالات أن تقرأ كتابا جيدًا، أو تنام كالأطفال، أو تجلس بجوارك فتاة تستلطفك. كنت محظوظا بإحدى هذه الحالات صباح الجمعة الماضي فطوال رحلتي الأسبوعية القصيرة لم أرفع عيني من رواية ستونر عدا لحظات قليلة ألتقط فيها صورة للسحاب أو أصب لنفسي قهوة أو أتمغط في مقعدي الذي يشبه كراسي التعذيب. بل الأكثر من ذلك أني بطريقي من المطار إلى قريتي لم أتمالك نفسي وأخرجت الكتاب لأقرأ صفحة أو اثنتين وأنا أقود السيارة وحين وصلت لم استطع النوم حتى انتهيت من قراءة الرواية كاملة في 12 ساعة غير متصلة. وأنا كنت أظنني كبرت على التعلق بالكتب بهذه الطريقة التي تشبه الوقوع في الحب. كتبت كتابة عاطفية عن ستونر في المدونة هنا بعنوان “صديقي العزيز ستونر” وقلت عنها في مكان آخر:
حين تهزمك نواياك الطيبة وقراراتك الصائبة لصالح الأوغاد في الحياة. هذه الرواية عزاء للخائبة آمالهم. وعند الانتهاء منها، سيضاف لأسماء رفاقك صديقًا جديدًا اسمه (ستونر). من أجمل ما ستقرأه.
لكن هذه الكتابتان أقرب للعاطفة منها للمراجعة أو الكتابة النقدية، وأعتقد أن الرواية تستحق أكثر من هذا. ستونر من الأعمال التي لن تستطيع الغض من براعتها وجودتها حتى وإن لم تعجبك – مع أنها ستعجبك 😎- وهي واحدة من أجمل الروايات التي قرأتها والتي لا أتردد حين أشيد بها لعلمي أن جودتها تتخطى ذائقتي الشخصية> أهم ما يميزها أن الشخصية بنيت فيها بناء متدرجا في نفس القارئ كما بُنيت في الواقع وهذا الإتقان أعفى الكاتب من الجهد في تفسير مشاعر الشخصية ولم يكن محتاجا لبذل الجهد في الإبانة عن ما في نفس الشخصية لأنه أقام في نفس القارئ من الحساسية التي تجعله يتصور كل ذلك بلا شرح. بالإضافة إلى واقعيتها الملموسة بشكل لصيق بحياة الإنسان في هذا العالم بمشاعره وحياته وآماله وخيباته، ففيها مساس لمشاعر القراء بما ضمنه المؤلف من حوارات تأخذ الطابع المعرفي تجعل ستونر واحدة من أجمل الروايات التي لن أتردد في العودة إليها مرة أخرى. وبالمناسبة أنا أقرأ هذه الرواية مع أصدقاء في نادي كتاب الجمعة ومن يود المشاركة والانضمام إلينا فهذا حساب النادي على تويتر
الكتاب الثاني نظافة القاتل لإيميلي نوتومب وهذه القراءة الثالثة أو الرابعة لإيميلي، وأنا متناقض قليلا في الحكم على هذه الرواية فمن ناحية الأسلوب هناك الشخصية الكلبية التي صورتها الكاتبة بشخصية عجيبة وغريبة ومعتوهه لكنها مثل الشخصيات المجنونة لو خففنا من حدة الجنون فيها سنجد أن لديها الكثير من الأشياء الحقيقية التي لا يريد أحد الحديث عنها مع الكثير من الترهات بالطبع، لم أستطع كتمان ضحكي وأنا أقرأ بدايات الحوار بل إن أحد الجالسين في الصالة جاء ليتأكد إن كنت أخفي هاتفي في كتابي وأضحك على شيء أشاهده. لكني مع ذلك بحاجة لتنبيه القراء أن هناك الكثير من البذاءة وما قد يراه بعض القراء أسلوبا قذرا في الحوار. بالنسبة لي وجدت الحوار ممتعا، التحدي الذي استطاعت إميلي البراعة فيه هو أن كامل السرد مبني على الحوار بلا فواصل ومثل هذا النوع من الكتابة تحد كبير أعتقد أنها برعت فيه. من الناحية الفنية هناك لدي ملاحظات على خط الأحداث ورتابته وقلة الجهد المبذول عليه من قبل الكاتبة بالإضافة إن انتقال الأحداث في الجزء الثاني غير مستساغا بالنسبة لي وفي ظني أن الأسباب التي ظهرت في آخر الرواية التي جعلت الشخصية تأخذ هذا المنحى من السلوك والتفكير غير منطقية لكن الجو الغرائبي للأحداث والأسلوب والطريقة يجعلها أقرب للصورة الساخرة الرمزية منها للواقعية. الترجمة مقبولة وإن كان الصف في مثل هذه الروايات يستلزم الكثير من الدقة لاعتماده على الحورات. لا أستطيع أن أقول أنها سيئة ولا أستطيع القول أنها مبهرة لكنها بالنسبة لي ممتعة وجميلة وأعجبتني وأعادت لي رغبة القراءة للكاتبة بعد فترة طويلة من الانقطاع عن كتبها.
آخر الكتب مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام لجورج طرابيشي طرابيشي باحث موسوعي متميز في كتابه هذا يناقش الفكرة التي تقول أن العقل المسيحي تلقى الفلسفة بالترحاب ولذلك ازدهر وأن العقل الإسلامي حارب الفلسفة ولذلك كانت سببا في تخلف العالم الإسلامي. وبنى هذا الكتاب على : مقدمة توضح أن خطأ جعل الغرب هو المركزية في هذه الجدلية تاريخيا وتناقض ذلك من الناحية الموضوعية وهذه المقالة في أول الكتاب من أجمل فقراته. ثم أتبع المقدمة بمناقشة طويلة للشطر الأول المتعلق بأخذ العالم المسيحي للفلسفة سرد فيها التاريخ المسيحي وتدرجه للوصول إلى القطيعة التامة مع الفلسفة والمناوئة التامة لها إلى حد جعلها وصمة للوثنية في التصور المسيحي العام ثم أتبع هذا الفصل بفصل ثانٍ بناه على تتبع تاريخ الممارسة الفلسفية في العقلية الإسلامية انتهاء إلى وصول الفلسفة لأن تكون مرادفا للزندقة في المفهوم الشرعي. ثم ختم بستة صفحات يلخص فيها ما قد يكون نظرة له إلى الموضوع. ما أود قوله هنا أن طرابيشي الذي أعجبني بقدرته العالية على فهم التراث واستيعابه في كتابه ” مذبحة التراث” كاد أن يغيب هنا تقريبا وأعزو ذلك لأنه حاول إعمال تفسيراته الدقيقة لمسائل متخصصة في مواضيع الاعتقاد والاجتهاد والتفريق بين العقائد والفقهيات وعدم استيعابه للتفرقة بين جانبي الاجتهاد العقدي والاجتهاد الفقهي وعلاقة العقل بكل منهما، كذلك بعض الاجتهادات التفسيرية إما التسييسية أو الثورية. بالإضافة إلى أنه يعتمد إعتماد كليا على إيجاد التطابقات بين الأورثوذكسية المسيحية وما استقر عليه المذهب الإسلامي في عموم بلاد المسلمين دون فهم كيف استقر هذا المذهب على هذا الوجه، وهذا ما جعل كثير من الثغرات التفسيرية تظهر في بحثه. على العموم الكتاب أشبه بالمقالة الطويلة أو البحث القصير لا يتجاوز 126 صفحة من الحجم الصغير، ومكتوب بلغة بحثية جيدة.
مع كون الكتب السابقة قرأتها خلال أيام فقط إلا أن كل واحد منها صورته في بلد مختلف عن الآخر، والأول والثالث منها بدأته في مكان وانتهيت منه في مكان آخر بعيد تمامًا ولأجل هذه الرفقة الرائعة التي تخفف وطأة الحياة أنا ممتنا للكتب .
استعدادا لاستقبال الشتاء قررت أن أضع لي خط قراءة طويل الأجل غير محدد بوقت للأعمال المتسلسلة أو الضخمة وببالي منها حاليا: -البحث عن الزمن المفقود – رباعية نابولي – كفاحي لكارل أوفه – رباعية هاروكي موركامي – الإخوة كارمازوف – الحرب والسلم. وسيكون البدء بكونت مونت كريستو عسى أصمل.
هذه الأيام أصبح الناس حساسون وسيلومني كثير منهم على مناداتك “صديقي” وأنا لم أعرفك سوى نصف يوم، لكنها معرفة تخولني بالكتابة إليك نيابة عن أشباهك؛ وأظنني حين أكتب عنهم فإني أكتب عن كثير من الناس، وجرأة الكتابة هذه ترعبني. يسليني أننا نعرفك وأنك تعرفنا، نعرفك لأنه في اللحظة التي نغلق فيها آخر الصفحات فإنك تصبح صديقا لنا دون اختيارك، وتعرفنا لأنك تشبه خيباتنا وحسرتنا وشعورنا بالتعب والضجر والصلابة. . الصلابة التي تعبر بنا الحياة لكنها تؤذينا. أعتذر إليك من نصف قارئ وجدته يثرثر بالنميمة عنك – وكأنه لم يكفك كم النميمة في حياتك – ليصف حياتك بالسلبية الجبانة، ماذا يعلم هؤلاء عن الحياة والحقيقة الإنسانية والأيام التي تسحب منك القدرة والمنطقية والمقاومة والرغبة. هذا نصف القارئ هو أحد المضجرين الذين لا يكفون عن ترديد عباراتهم المتعالية عن الحياة ومطاردة الأهداف والرغبة بالحياة، الواهمون الذين يحسبون أن أحلامهم الطُوباوية هي التفاؤل. هل هناك أكثر إيجابية من نضالك المستميت حتى لحظتك الأخيرة. قد لا تفهم ما سأقوله الآن لكن “عزتي لك يا ستونر” .
هذا سؤال كبير بالطبع وأنا لا أملك الأهلية الكافية للإجابة عليه، لكن أُنبه إلى ما أراه مهما حسب ملاحظة في معظم ما يدور في المجال، وهو انطلاق معظم الممارسات النقدية لدينا من دافعين الانطباع والدوافع الشخصية الانطباع في مجمله مجموعة أفكار، وتفضيلات، وامتعاضات، وتصورات ناقصة، لا تُبنى على أسس مطردة سوى تصورات لحظية، وتحليلات تشبه التخمينات والفرضيات، يفترض بها أن تقال وتنتهي في الدردشة مع الأصدقاء، لا أن تصبح رأيا نقديا معلنا. أما الدوافع الشخصية فهو مجال لا ينقضي الحديث فيه، كثير من النقاد، ينصر فكرة أو يعاديها لعلاقات شخصية بأصحابها! أو نتيجة مجاملات، أو عداوات سابقة، أو ركوبا لموجة ما، أو ببساطة لكونه لم ينل نصيبه من الكعكة. بعد هذه التقدمة: إن أهم السمات التي تميز المدرسة النقدية أن تكون آراء المنتمين إليها تنطلق من بناء مؤسس. والتأسيس هنا يكون أولا في فهم الظواهر، وذلك بتصور كيف تشكلت ولماذا ومراحل هذا التشكل، حينها يمكن للناقد باقتدار أن ينطلق في نقده منطلقا واعيا ويحكم على الظواهر حكما صحيحا ويستطيع نتيجة هذا الفهم المؤسس لا أن يحكم فحسب بل أن يرى إلى أين سيتجه تطور الظاهرة، ونتيجة لهذا الغياب -أعني غياب الفهم- أصبح من الطبيعي أن ينحصر دور المثقف عندنا في ملاحقة المستجدات وتوزيع صكوك الأحكام عليها فقط. وثاني أشكال التأسيس -وأهمها- الذي يميز المدرسة نقدية، هو انطلاقها من أسس معرفية متكاملة تجعل آراء المنتمين إلى هذا الإتجاه أو المدرسة بجميع أوصافهم مطردة ومتسلسلة وتعود إلى أصول واحدة. ما يحدث نتيجة غياب التأسيس هذا أننا نجد المثقف أو الناقد تفكيكيا حينًا و بنيويا حينا وحداثيا حينا وسلفيا حينا أخرى، ومناصرًا للتجديد مرة ومحاربا لأي تغير في الأشكال الأدبية مرة أخرى. في النهاية يظهر مثقفونا ونقادنا بصورة الناقم على الأشكال المعرفية الطارئة والاكتفاء بالسخط والتحلطم في وسائل التواصل دون إسهام حقيقي في تشكيلها أنوه هنا إلى أن القول الصائب في قضية ما الصادر عن مزاج إنطباعي أو دافع شخصي لا يجعله مستحقا لاسم الممارسة النقدية. وسلامتكم
قلما ينفلت عني التماسك والهدوء، أحتفظ أمام الآخرين برباطة جأش نادرة، أعاملها كمسألة حياة أو موت، وكلما ضاقت روحي وشعرت بهذا الخيط ينفلت من يدي؛ أغلقت هاتفي خوفا من كتابة حرف واحد أكشف فيه عن دخيلة نفسي، أنا من البقية المنتمين إلى جماعة (وتجلدي للشامتين …) ، وأحد أولئك الذين يبتسمون وفي قلوبهم غيظ عظيم، فئة الدبلوماسية والهدوء الخادع والمجاملات الفارغة، أحمل في صدري جمرة مشتعلة تحت رماد وجهي الوادع، أصدق ما يمثلني هو مقولة (hulk) في فيلم (المنتقمون): “هذا سري، أنا غاضب دائمًا” “that’s my secret i’m always angry”
لكني مللت، ويؤذيني أن أخدع نفسي بأدوار بطولة انتهت منذ انقطع الأدباء عن كتابة الروايات التي يقاتل فيها النبلاء لحماية شرف العائلة، ومنذ توقف الممثلون عن أدوار شهداء العشق، ومنذ أن شنق آخر شهم بأمعاء آخر فارس، ومنذ توقفت الساحرات عن الطيران في أحلام الصغار. لن ينتفض جدي السابع في قبره إن قلت أني بائس أطارد بؤسي ثلاثين عامًا وأغطيه بالسخرية والضحك والمجون كما أغطي وحمتي كثيفة الشعر في أعلى ذراعي. لن ينهار صرح الكبرياء إن قلت أن هذه الحياة لا تشبه أيا مما أريد وأن سفينة صدري لم تعد تقوى الإبحار بكل هذه الأنقاض وعظام الموتى المتراكمة عليها. ____ بشكل مباغت فُتحت كاميرا هاتفي اليوم وبدا وجهي على الشاشة كغريب يُطل عليَّ، غريبٌ يضع عقاله في آخر رأسه، وتمتد لحيته وشاربيه بقدر المدة التي توقف فيها عن زيارة الحلاقين، غريب تنام الكلمات متشردةً في شوارع عينيه. غريب يقول عن حاله: (لحيتي طالت ووجهي لم يعد يغري. ولي جفن .. يخبئ عينًا انطفأت..) 28 شعبان 1442هـ 10 إبريل 2021 03:10 صباحا
مضى أسبوعان عجيبان بعد آخر تدوينة في اليوميات ، أحداث يومية متوالية، وأفكار ازدحمت في رأسي أما على السطح فكل شيء يبدو هادئاً.. كنت احكي لصديق منذ أيام عن السنوات الثلاث الفائتة وأخبره أنها أطول مدة أقضيها في مكان واحد واشتكيت من شعور الصدأ في روحي وأني عشت وعملت في معظم المناطق عدا الشمال ومن عجيب الأقدار أني أكتب تدوينتي هذه على مسافة أكثر من 1100 كيلو شمالًا، في مكان جديد وعمل جديد ووجوه جديدة، لم أختر هذا الانتقال ولم أحبه، وأعلم أن خيرا كبيرا يختبئ خلفه وسيظهر لي. أكتب ودرجة الحرارة تقترب من الصفر، متدثرًا بطبقات صغيرة وكثيرة من الثياب لأحافظ على دفء أطرافي – كنت قرأت هذه المعلومة قبل أشهر ولم أتوقع أني سأحتاجها يوما- على وجوه أصحابي ارتسم بؤسٌ كبير حين علموا بانتقالي، لكن الانتقال هو ما كنت أحتاجه حقا – وإن لم يكن على هذا النحو المفاجئ والمتطرف -. بُني وعيي في مرحلة متقدمة على الارتحال والتوديع ووجوه الغادين والرائحين، ورائحة المنازل المرممة، والليالي الطرية في المساكن الجديدة، والمصافحة الأولى لوجوه الجيران، والصداقات التي تخبو سريعا، وعداوات تصيرها الأيام صحبة وثيقة، والأثاث المُهشم لكثرة الرفع والتحريك، وطاولة مكتب دخلت بها سبعة بيوت ولم أكتب عليها حرفًا، ودولاب المطبخ الذي أصبح رف كتب في منزل آخر، ومكيف ضاعت أزراره بين الأحياء وسيارات النقل، ووحشة النظرة إلى منازل لم تعد لنا … على سيرة لمنازل التي لم تعد لنا كنت أتعمد بعد خروج الجميع ترك شيء خلفي، جورب مثلا أو ملعقة معدنية، أو عجلة دراجة لا يستفاد منها؛ أترك رائحة للأرواح في غيبتنا. خطر لي في إحدى الزيارات لمدينة عشت بها أن أقف على حينا القديم بعد سنوات طويلة، فوجدت الشارع أقل رحابة مما كنت أشعر في مراهقتي وظهر “حوش”1 منزلنا أقصر ارتفاعا مما كنت أراه، بدا لي بيتنا القديم وقد انحنى ظهره! وحين صليت في مسجد الحي لم يتعرف علي كبار السن الذين لم يكونوا كبار سن حين عرفتهم !- ولم أجد أقراني، والشباب الذين حملقوا بي لم يكونوا هنا حين غادرنا. لا تزوروا الأماكن القديمة فالوقوف على الأطلال قبر للذكريات. أعود إلى ذكر الترحال بعد هذا الاسترسال ، حين بدأت حب الشعر حفظت أبيات الشافعي :
والكحل نوع من الأحجار تنظـره
في أرضه وهو مرمي على الطرق
لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـه
فصار يحمل بين الجفـن والحـدق
وقول أبي تمام:
وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ
لِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ
يعلمنا الترحال سرعة الأهبة واستقامة الوقفة وملء دفاتر الأيام باسماء النبلاء. على الهامش: في ترحالي هذه المرة اصطحبت معي رواية جنة وجحيم لـ(كالمان ستيفنسن)، هذا البرد يحتاج شيء يشبهه! 11-6-1442 24 يناير 2021 10:10 مساء حائل.
رأيت مرةً في لقاء عائلي طفلًا يجلس بجوار والده يسيل اللعاب على جانب وجهه، مفتوح الفم يتأمل أقاربه، وفي لحظة من لحظات الصمت التي تتوسط الأحاديث مد أحد الكبار إليه يده مشاكسًا هدوءه ، فانفعل الصبي بعفوية وعض يده، ثم ارتفع الضحك في المجلس من تصرفه، تفاجئ الطفل وغمرته الضحكات بإحساس الظرافة، وأعجبه الشعور فاسترسل في تصرفات يستجلب بها المزيد من الضحكات، بعد ساعة وفي غمرة تقمصه ثوب الظريف بصق في وجه أحد الكبار فلطمه والده لطمة أدهشته وانجلت له حقيقة أن تصرفاته أصبحت فجة لا تطاق، ولم يعد أي منها يجلب الضحك، وأزعجه أشد ما أزعجه شعور ثقله على النفوس، والغباء الذي ظهر في أفعاله …. لا أبالغ حين أقول أن لدينا في حياتنا جميعا مواقف مررنا بها تشبه موقف الطفل، وضعتنا في وضع بائس أمام أنفسنا ، وأثارت حنقنا ودفعت غصة الخجل إلى أقصاها في نحورنا، نكبر على ثقة بنضجنا وتخلصنا من تلك السذاجة، لكن المؤسف هو استمرار هذا السلوك دون إدراك منا وقد تمضي الحياة بأكملها ولا نشعر. أتابع مثقفا في إحدى وسائل التواصل كانت عفويته محببة ويتصرف بنوع سخرية لطيفة تجعل من يشاهده يبتسم لكلماته، وردود أفعاله، ونظرته، ونبرته، إلا أن صديقنا الطفل في الحكاية أعلاه تلبس هذا المثقف فبدأ يحسب نفسه الساخر العظيم، ولعل القراءة في كتب الساخرين جعلته يصدق انضمامه إلى حزبهم وهذه مشكلة أزلية لدى القراء أعرف صديقا في الزمانات اشترى كتاب كيف تتقن الأوفيس وهو لا يحسن تشغيل الكمبيوتر ولا يملكه أصلا المهم نعود إلى صديقنا الساخر فقد تطور حاله حتى اتخذ من السخرية شعاره ومن الاستهزاء بالأفكار والمؤلفين والأدباء والقراء ومن كل مظهر جاد: طبعًا له ثم ازداد به الأمر فأصبح يحاكي بعض مشاهير الساخرين على الإنترنت في عباراته وتشبيهاته وآخر ما بلغه حسبما أذكر أن أصبح يقول الكلمة السامجة الهزيلة ويضحك منها ضحك بائس يائس أو ضحك سكران يدغدغه مالا يعرفه. لكن لا تظن أن سلوك الطفل السابق متعلق بالسخرية وحدها، بل يتطاول هذا الفعل حتى يطال بعض ممارسات الناس المعرفية والفكرية، يجد أحدهم فكرة جوهرية أصيلة لكنها فكرة فرعية في الحياة فكرة جميلة عظيمة لكنها لا تستحق أن يؤسس لها حزبا ديموقراطيا ولا أن يقوم بالدعوة إليها بالسيف في كل أنحاء البلاد وهي في أحيان كثيرة فكرة لا يهتم بها إلا قلة من البشر، لكن صاحبنا يتعلق بها ويعيد ذكرها ثلاث مرات في اليوم والليلة ويكتب عنها منشورا في الفيس بوك ويعلق بخصوصها في الساوند كلاود، وينشر سلسلة مسلسلة في تويتر عن هذه القضية التي تؤرقه ، ثم لا يقبل أن يهون منها باحث ولا قارئ ولا متثقف وتصبح أعز عليه من ماله وولده والناس أجمعين. كل هذا يسببه ضيق الأفق وشح الاهتمامات وانحصار الفكر وافتقار الإنسان إلى معارك ينتصرلها في الحياة باتساع المرء يتسامى عن التعلق بهذه النقوش الصغيرة والتصرفات الطفولية.
ودمتم سالمين
يمكنك متابعة جديد المدونة وأمور أخرى حسب الحالة المزاجية بالاشتراك في قناة التلقرام على الرابط
يمضي الأسبوع الأول بهدوء وبطء وثقل، لم ينتظم نومي حتى اللحظة، والمضحك أنه ازداد سوءا منذ أن أبديت في تدوينة سابقة رغبتي في تعديل نظام نومي. يوم الأحد خطر لي أن اضطراب نومي نتيجة شربي للمنبهات بكثرة (القهوة والشاي) وأزعجتني فكرة ارتباط مزاجي بمؤثر خارجي؛ فعزمت على تركهما لأسبوع والاحتفاظ بمزاج نقي من المؤثرات “الترويقية” وهذه الفكرة أعني الابتعاد عن الارتباط بالممارسات الإدمانية فكرة تحرر النفس ولذيذة وتوحي بقوة تحكم، مع محبتي لأنسنة السلوك، واستشعار التردد والضعف والغضب ، والوقوع تحت عارض الخروج عن الخط المرسوم بدقة كأنما رسم بمسطرة، أرى ذلك -الخروج والتردد والضعف- أكثر بشرية وأقول لنفسي مقولة الشيخ مناع الراس اللي مابه كيف حلال قطعه يا عويد. على كل حال بعد 3 أيام من الانقطاع عن القهوة عدت وشربت 3 أكواب قهوة في يوم واحد – شكرا لأفكاري العظيمة- مازلت عالق مع روايتي السابقة وتتحول إلى قراءة صعبة كلما استشعرت أنها مهمة يجب أن أنجزها لأكتب عنها. يسكنني هاجس يدفعني لمغادرة 1 أخرى في الحياة والبدء من جديد وأنا بين التوق للمغامرة وبين التمسك بالأمان في مكان قاس على النفس. لدي عدد من الأفكار والملاحظات المعرفية تعليقًا على شؤون معرفية كثيرة مرت بي الأيام الماضية لكن سأحتفظ بها لتدوينات لاحقة.
اقتباس الأسبوع :
مررت في انستقرام على صورة ورقة ملاحظات كُتب عليها: “ربما أنت عالق لأنك تدفع الباب بقوة بينما يجب عليك سحبه.” وأحسّها أكثر شيء احتجته اليوم عشان أرتب فوضاي الشخصية.
صدر كتابٌ جديد للأستاذ حسين بافقيه بعنوان الذي رأى والذي سمع محمد نصيف صفحة من تاريخ الثقافة في جدة.
يقول حسن شهاب الدين: على ركوة للغيب أنضج قهوتي وامزج بالهيل المجازي فكرتي. وأفتح نصي. داعيا كل عابر تعال أخي الإنسان واْنَسْ بوحدتي سنشرب فنجانا ونقسم خبزة ونحكي عن الأيام تلك أو التي…
1- كنت أريد كتابتها مغامرة وحين رجعت لها قبل النشر وجدتني صحفتها خطأ بمغادرة فتركتها وكم في المغادرة من مغامرة-