صديقي العزيز ستونر…

هذه الأيام أصبح الناس حساسون وسيلومني كثير منهم على مناداتك “صديقي” وأنا لم أعرفك سوى نصف يوم، لكنها معرفة تخولني بالكتابة إليك نيابة عن أشباهك؛ وأظنني حين أكتب عنهم فإني أكتب عن كثير من الناس، وجرأة الكتابة هذه ترعبني.
يسليني أننا نعرفك وأنك تعرفنا، نعرفك لأنه في اللحظة التي نغلق فيها آخر الصفحات فإنك تصبح صديقا لنا دون اختيارك، وتعرفنا لأنك تشبه خيباتنا وحسرتنا وشعورنا بالتعب والضجر والصلابة. . الصلابة التي تعبر بنا الحياة لكنها تؤذينا.
أعتذر إليك من نصف قارئ وجدته يثرثر بالنميمة عنك – وكأنه لم يكفك كم النميمة في حياتك – ليصف حياتك بالسلبية الجبانة، ماذا يعلم هؤلاء عن الحياة والحقيقة الإنسانية والأيام التي تسحب منك القدرة والمنطقية والمقاومة والرغبة.
هذا نصف القارئ هو أحد المضجرين الذين لا يكفون عن ترديد عباراتهم المتعالية عن الحياة ومطاردة الأهداف والرغبة بالحياة، الواهمون الذين يحسبون أن أحلامهم الطُوباوية هي التفاؤل. هل هناك أكثر إيجابية من نضالك المستميت حتى لحظتك الأخيرة.
قد لا تفهم ما سأقوله الآن لكن “عزتي لك يا ستونر” .

/**/

لماذا ليس لدينا مدارس نقدية ؟

هذا سؤال كبير بالطبع وأنا لا أملك الأهلية الكافية للإجابة عليه، لكن أُنبه إلى ما أراه مهما حسب ملاحظة في معظم ما يدور في المجال، وهو انطلاق معظم الممارسات النقدية لدينا من دافعين الانطباع والدوافع الشخصية
الانطباع في مجمله مجموعة أفكار، وتفضيلات، وامتعاضات، وتصورات ناقصة، لا تُبنى على أسس مطردة سوى تصورات لحظية، وتحليلات تشبه التخمينات والفرضيات، يفترض بها أن تقال وتنتهي في الدردشة مع الأصدقاء، لا أن تصبح رأيا نقديا معلنا.
أما الدوافع الشخصية فهو مجال لا ينقضي الحديث فيه، كثير من النقاد، ينصر فكرة أو يعاديها لعلاقات شخصية بأصحابها! أو نتيجة مجاملات، أو عداوات سابقة، أو ركوبا لموجة ما، أو ببساطة لكونه لم ينل نصيبه من الكعكة.
بعد هذه التقدمة:
إن أهم السمات التي تميز المدرسة النقدية أن تكون آراء المنتمين إليها تنطلق من بناء مؤسس.
والتأسيس هنا يكون أولا في فهم الظواهر، وذلك بتصور كيف تشكلت ولماذا ومراحل هذا التشكل، حينها يمكن للناقد باقتدار أن ينطلق في نقده منطلقا واعيا ويحكم على الظواهر حكما صحيحا ويستطيع نتيجة هذا الفهم المؤسس لا أن يحكم فحسب بل أن يرى إلى أين سيتجه تطور الظاهرة، ونتيجة لهذا الغياب -أعني غياب الفهم- أصبح من الطبيعي أن ينحصر دور المثقف عندنا في ملاحقة المستجدات وتوزيع صكوك الأحكام عليها فقط.
وثاني أشكال التأسيس -وأهمها- الذي يميز المدرسة نقدية، هو انطلاقها من أسس معرفية متكاملة تجعل آراء المنتمين إلى هذا الإتجاه أو المدرسة بجميع أوصافهم مطردة ومتسلسلة وتعود إلى أصول واحدة.
ما يحدث نتيجة غياب التأسيس هذا أننا نجد المثقف أو الناقد تفكيكيا حينًا و بنيويا حينا وحداثيا حينا وسلفيا حينا أخرى، ومناصرًا للتجديد مرة ومحاربا لأي تغير في الأشكال الأدبية مرة أخرى.
في النهاية يظهر مثقفونا ونقادنا بصورة الناقم على الأشكال المعرفية الطارئة والاكتفاء بالسخط والتحلطم في وسائل التواصل دون إسهام حقيقي في تشكيلها
أنوه هنا إلى أن القول الصائب في قضية ما الصادر عن مزاج إنطباعي أو دافع شخصي لا يجعله مستحقا لاسم الممارسة النقدية.
وسلامتكم

رماد بارد

قلما ينفلت عني التماسك والهدوء، أحتفظ أمام الآخرين برباطة جأش نادرة، أعاملها كمسألة حياة أو موت، وكلما ضاقت روحي وشعرت بهذا الخيط ينفلت من يدي؛ أغلقت هاتفي خوفا من كتابة حرف واحد أكشف فيه عن دخيلة نفسي، أنا من البقية المنتمين إلى جماعة (وتجلدي للشامتين …) ، وأحد أولئك الذين يبتسمون وفي قلوبهم غيظ عظيم، فئة الدبلوماسية والهدوء الخادع والمجاملات الفارغة، أحمل في صدري جمرة مشتعلة تحت رماد وجهي الوادع، أصدق ما يمثلني هو مقولة (hulk) في فيلم (المنتقمون):
“هذا سري، أنا غاضب دائمًا”
“that’s my secret i’m always angry”

لكني مللت، ويؤذيني أن أخدع نفسي بأدوار بطولة انتهت منذ انقطع الأدباء عن كتابة الروايات التي يقاتل فيها النبلاء لحماية شرف العائلة، ومنذ توقف الممثلون عن أدوار شهداء العشق، ومنذ أن شنق آخر شهم بأمعاء آخر فارس، ومنذ توقفت الساحرات عن الطيران في أحلام الصغار.
لن ينتفض جدي السابع في قبره إن قلت أني بائس أطارد بؤسي ثلاثين عامًا وأغطيه بالسخرية والضحك والمجون كما أغطي وحمتي كثيفة الشعر في أعلى ذراعي.
لن ينهار صرح الكبرياء إن قلت أن هذه الحياة لا تشبه أيا مما أريد وأن سفينة صدري لم تعد تقوى الإبحار بكل هذه الأنقاض وعظام الموتى المتراكمة عليها.
____
بشكل مباغت فُتحت كاميرا هاتفي اليوم وبدا وجهي على الشاشة كغريب يُطل عليَّ، غريبٌ يضع عقاله في آخر رأسه، وتمتد لحيته وشاربيه بقدر المدة التي توقف فيها عن زيارة الحلاقين، غريب تنام الكلمات متشردةً في شوارع عينيه. غريب يقول عن حاله:
(لحيتي طالت
ووجهي لم يعد يغري.
ولي جفن .. يخبئ عينًا انطفأت..)
28 شعبان 1442هـ
10 إبريل 2021
03:10 صباحا

كل الأشياء هادئةٌ على السطح!

مضى أسبوعان عجيبان بعد آخر تدوينة في اليوميات ، أحداث يومية متوالية، وأفكار ازدحمت في رأسي أما على السطح فكل شيء يبدو هادئاً..
كنت احكي لصديق منذ أيام عن السنوات الثلاث الفائتة وأخبره أنها أطول مدة أقضيها في مكان واحد واشتكيت من شعور الصدأ في روحي وأني عشت وعملت في معظم المناطق عدا الشمال ومن عجيب الأقدار أني أكتب تدوينتي هذه على مسافة أكثر من 1100 كيلو شمالًا، في مكان جديد وعمل جديد ووجوه جديدة، لم أختر هذا الانتقال ولم أحبه، وأعلم أن خيرا كبيرا يختبئ خلفه وسيظهر لي.
أكتب ودرجة الحرارة تقترب من الصفر، متدثرًا بطبقات صغيرة وكثيرة من الثياب لأحافظ على دفء أطرافي – كنت قرأت هذه المعلومة قبل أشهر ولم أتوقع أني سأحتاجها يوما-
على وجوه أصحابي ارتسم بؤسٌ كبير حين علموا بانتقالي، لكن الانتقال هو ما كنت أحتاجه حقا – وإن لم يكن على هذا النحو المفاجئ والمتطرف -.
بُني وعيي في مرحلة متقدمة على الارتحال والتوديع ووجوه الغادين والرائحين، ورائحة المنازل المرممة، والليالي الطرية في المساكن الجديدة، والمصافحة الأولى لوجوه الجيران، والصداقات التي تخبو سريعا، وعداوات تصيرها الأيام صحبة وثيقة، والأثاث المُهشم لكثرة الرفع والتحريك، وطاولة مكتب دخلت بها سبعة بيوت ولم أكتب عليها حرفًا، ودولاب المطبخ الذي أصبح رف كتب في منزل آخر، ومكيف ضاعت أزراره بين الأحياء وسيارات النقل، ووحشة النظرة إلى منازل لم تعد لنا … على سيرة لمنازل التي لم تعد لنا كنت أتعمد بعد خروج الجميع ترك شيء خلفي، جورب مثلا أو ملعقة معدنية، أو عجلة دراجة لا يستفاد منها؛ أترك رائحة للأرواح في غيبتنا. خطر لي في إحدى الزيارات لمدينة عشت بها أن أقف على حينا القديم بعد سنوات طويلة، فوجدت الشارع أقل رحابة مما كنت أشعر في مراهقتي وظهر “حوش”1 منزلنا أقصر ارتفاعا مما كنت أراه، بدا لي بيتنا القديم وقد انحنى ظهره! وحين صليت في مسجد الحي لم يتعرف علي كبار السن الذين لم يكونوا كبار سن حين عرفتهم !- ولم أجد أقراني، والشباب الذين حملقوا بي لم يكونوا هنا حين غادرنا. لا تزوروا الأماكن القديمة فالوقوف على الأطلال قبر للذكريات.
أعود إلى ذكر الترحال بعد هذا الاسترسال ، حين بدأت حب الشعر حفظت أبيات الشافعي :

والكحل نوع من الأحجار تنظـرهفي أرضه وهو مرمي على الطرق
لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـهفصار يحمل بين الجفـن والحـدق

وقول أبي تمام:

وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌلِديباجَتَيهِ فَاِغتَرِب تَتَجَدَّدِ

يعلمنا الترحال سرعة الأهبة واستقامة الوقفة وملء دفاتر الأيام باسماء النبلاء.
على الهامش: في ترحالي هذه المرة اصطحبت معي رواية جنة وجحيم لـ(كالمان ستيفنسن)، هذا البرد يحتاج شيء يشبهه!
11-6-1442
24 يناير 2021
10:10 مساء
حائل.


1- حوش = سور

بقايا مكياج على وجه المهرج


رأيت مرةً في لقاء عائلي طفلًا يجلس بجوار والده يسيل اللعاب على جانب وجهه، مفتوح الفم يتأمل أقاربه، وفي لحظة من لحظات الصمت التي تتوسط الأحاديث مد أحد الكبار إليه يده مشاكسًا هدوءه ، فانفعل الصبي بعفوية وعض يده، ثم ارتفع الضحك في المجلس من تصرفه، تفاجئ الطفل وغمرته الضحكات بإحساس الظرافة، وأعجبه الشعور فاسترسل في تصرفات يستجلب بها المزيد من الضحكات، بعد ساعة وفي غمرة تقمصه ثوب الظريف بصق في وجه أحد الكبار فلطمه والده لطمة أدهشته وانجلت له حقيقة أن تصرفاته أصبحت فجة لا تطاق، ولم يعد أي منها يجلب الضحك، وأزعجه أشد ما أزعجه شعور ثقله على النفوس، والغباء الذي ظهر في أفعاله ….
لا أبالغ حين أقول أن لدينا في حياتنا جميعا مواقف مررنا بها تشبه موقف الطفل، وضعتنا في وضع بائس أمام أنفسنا ، وأثارت حنقنا ودفعت غصة الخجل إلى أقصاها في نحورنا، نكبر على ثقة بنضجنا وتخلصنا من تلك السذاجة، لكن المؤسف هو استمرار هذا السلوك دون إدراك منا وقد تمضي الحياة بأكملها ولا نشعر.
أتابع مثقفا في إحدى وسائل التواصل كانت عفويته محببة ويتصرف بنوع سخرية لطيفة تجعل من يشاهده يبتسم لكلماته، وردود أفعاله، ونظرته، ونبرته، إلا أن صديقنا الطفل في الحكاية أعلاه تلبس هذا المثقف فبدأ يحسب نفسه الساخر العظيم، ولعل القراءة في كتب الساخرين جعلته يصدق انضمامه إلى حزبهم وهذه مشكلة أزلية لدى القراء أعرف صديقا في الزمانات اشترى كتاب كيف تتقن الأوفيس وهو لا يحسن تشغيل الكمبيوتر ولا يملكه أصلا المهم نعود إلى صديقنا الساخر فقد تطور حاله حتى اتخذ من السخرية شعاره ومن الاستهزاء بالأفكار والمؤلفين والأدباء والقراء ومن كل مظهر جاد: طبعًا له ثم ازداد به الأمر فأصبح يحاكي بعض مشاهير الساخرين على الإنترنت في عباراته وتشبيهاته وآخر ما بلغه حسبما أذكر أن أصبح يقول الكلمة السامجة الهزيلة ويضحك منها ضحك بائس يائس أو ضحك سكران يدغدغه مالا يعرفه.
لكن لا تظن أن سلوك الطفل السابق متعلق بالسخرية وحدها، بل يتطاول هذا الفعل حتى يطال بعض ممارسات الناس المعرفية والفكرية، يجد أحدهم فكرة جوهرية أصيلة لكنها فكرة فرعية في الحياة فكرة جميلة عظيمة لكنها لا تستحق أن يؤسس لها حزبا ديموقراطيا ولا أن يقوم بالدعوة إليها بالسيف في كل أنحاء البلاد وهي في أحيان كثيرة فكرة لا يهتم بها إلا قلة من البشر، لكن صاحبنا يتعلق بها ويعيد ذكرها ثلاث مرات في اليوم والليلة ويكتب عنها منشورا في الفيس بوك ويعلق بخصوصها في الساوند كلاود، وينشر سلسلة مسلسلة في تويتر عن هذه القضية التي تؤرقه ، ثم لا يقبل أن يهون منها باحث ولا قارئ ولا متثقف وتصبح أعز عليه من ماله وولده والناس أجمعين. كل هذا يسببه ضيق الأفق وشح الاهتمامات وانحصار الفكر وافتقار الإنسان إلى معارك ينتصرلها في الحياة باتساع المرء يتسامى عن التعلق بهذه النقوش الصغيرة والتصرفات الطفولية.

ودمتم سالمين

يمكنك متابعة جديد المدونة وأمور أخرى حسب الحالة المزاجية بالاشتراك في قناة التلقرام على الرابط

https://t.me/blogswarraq

الخائن الذي يجهل نفسه

تُشكل مقولات الحرب وما تناقلته الأمم في شأن الصراع إرثا عظيما في التجربة الإنسانية، يتجاوز الحرب إلى الحياة؛ ويجعلُ المتأملَ فيها بعيدَ النظرِ، متسعَ الأفق، وإن افتقرت حياته إلى التجربة الكبيرة. مما أتمثل به في هذ الإرث الإنساني عبارة بارعة تقول: أن أكون فرداً في جماعة الأسود أحب إلي من أن أكون قائدا لقطيع النعاج. ولك أن تستعمل مواهبك التأويلية على عشرات الأوجه لتستنطق المقولة بمُثل وأفكارٍ تمتثلها في حياتك، لكني اليوم أنظر إليها من زاوية مختلفة.
لا تتشكل معضلة قطيع النعاج في ضعفها فحسب؛ فمع القليل من التصرف والتدبير يستطيع أضعف الكائنات الفتك بمن يفوقه قوة، أو النجاة على أقل الأحوال بغريزة البقاء. لكن تكمن مشكلة النعاج أنها سريعة الهلع. وتتفاقم المشكلة بسبب ما يتصف به الهلع من قدرة كبيرة على الانتقال بشكل معدي ليضعف عزيمة الشجاع.
يضخم الهلع الأمور فتبدو أكبر وأقرب من حقيقتها، ويرسم لنا أزمات لن تقع، أو إن وقعت ففي أحيان كثيرة تكون أخف وطأة مما رسمته عقولنا، يعجز الهلوع عن المضي قُدُمًا ويجد نفسه مدفوعا إلى الاستسلام والتمدد استعدادًا للذبح1، وتتحول تجربة العمل والعيش مع الهلوع إلى تجربة مؤذية، تولد القلق والتوتر لمن يحيط به.
وعلى خلاف معظم الصفات البشرية يولد الهلع صغيرًا ويتعاظم في نفس صاحبه بازدياد الأمور التي يخشى فقدها، وهذا ما يجعل اعتياد رباطة الجأش وثبات النفس سلوكٍا قيما لا يعلم الإنسان متى يحتاجه و متى يخونه.
في كل الظروف التي ستمر بها سيكون السكون وهدوء البال وقلة التوتر أهم التصرفات التي تعينك -بعد توفيق الله- على تخطي أكدار الحياة.
على الهامش :
– كان الملصق الشهير “حافظ على هدوءك واستمر” أو “Keep Calm and Carry On
أحد الوسائل التي استعملتها حكومة المملكة المتحدة عام 1939 أثناء الحرب العالمية الثانية لتعزيز معنويات الشعب لعبور الحرب.


1- تنقل كتب التاريخ نماذج للهلع الذي يصيب الجموع فيشل قدرتها على التفكير وقد ينزل الرجل الواحد بجماعة من الناس يفوقونه عددا فيذبحهم ولا يستطيعون رده

مفتتح خطى..

اقترح عزيزٌ علي أن أغير اسم المدونة فغيرته إلى الاسم الذي تراه، كنت أكتب هنا في وقت ما مستشعرا الهبوط على أم رأسي ولذا سميتها (هوة)، لكن بعد انقطاعي عن وسائل التواصل صارت الكتابة بمثابة فرجة أطل منها على العالم.
أدون هذا المنشور في الليلة التي صبيحتها الأحد 3 يناير 2021 ولأني حتى اليوم لم أنجح في تعديل موعد نومي فمنذ الخامسة عصرًا أحمل هم الاستيقاظ لعمل الغد.
انقطعت عن القراءة بعد السادس من أغسطس 2020 وكل محاولات العودة إلى القراءة منذ ذلك الوقت كانت باردة عديمة الشغف مدفوعة بشعور الواجب لا أكثر. إلا أني افتتحت السنة الميلادية بقراءة عمل أدبي شهير أجلته سنوات طويلة، وجاوزت البارحة ربع الرواية بمشاعر متناقضة حيالها، لا تعجبني وفي الوقت نفسه لا أستطيع التوقف عن المضي فيها، وأنوي كتابة مراجعة لها في حساب المتجر على قود ريدز و الانستقرام. أعلم أن المراجعة لن ترضي كثير من محبيها وستبعث غضب المسبحين بحمدها، واستشعر منذ الآن وكأني أقدم على سب مقدس من المقدسات.
في الجانب الآخر أخصص نصف الوقت للقراءة في موضوع ما إستعدادًا لمشاركة سأقوم بها نهاية هذا الشهر في صالون ثقافي.
كانت خطتي إفراد التدوينة الأولى بالحديث عن التدوين لكن وجدت الوقت مبكرًا للتبجح بهذا ويكفي القول “إن التدوين المطول والمستقل بعيدًا عن خفة وسائل التواصل هو الشكل الأكثر رصانة لهذا النوع من الكتابة.”
هذه دعوة للمشاركة في الفكرة وإحياء ممارسة التدوين المنتظم ، ليست كالدعوات الإحيائية التي يقوم بها المؤمنون بالأفكار الغريبة المندثرة، بقدر ما هي تعزيز لشكل إنساني من أشكال الفن الأدبي، ينمي ملكة القارئ والكاتب.
مختتم:
– كل منشور هو مشروع تدوينة غير ناضجة أعود إليها مرة أو مرتين أو ثلاث لأتدارك الحشو والأخطاء والهفوات واستبدل الجمل بما هو أفصح منها، لذا تعاملوا معها مثل الفاكهة الخضراء القاسية اتركوها على الرف قليلاً لتزداد حلاوة.
– سأترك التدوينات الشخصية التي تشبه اليوميات دون اسم أو أكتفي بعنونتها بتاريخ اليوم الذي أنشرها فيه.

سنة العزائم المنقوضة

اللهم فارحم ضعفنا حتى نتوجه إليك قاصدين، ونفوض أمرنا إلى تدبيرك راضين، ونتوكل عليك منيبين.. اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالاقتار: فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء وبيدك خزائن الأرض والسماء.
من دعوات التوحيدي في المقابسات.

في فترة سابقة اتجه همي إلى الإطلاع على ما كتبه أهل التصوف في شأن الأنفس وعلق بذاكرتي مما علق من كلامهم جوابُ صوفيٍ سُئل عن طريقه إلى العرفان فقال: نقض العزائم. حين أنظر إلى الخلف أنظر إلى أيام مليئة بالعزائم المنقوضة. ومن وحي مقولة المتصوف تنبثق برأسي فكرة تقبل التمدد إلى تنمية حياتنا المادية. فأقول إن الدرب الأرحب إلى حكمة الحياة هو الشعور المؤلم بالإحباط الذي تصيبنا به العزائم الكليلة والخطط الخاسرة والأصدقاء الذين لم يتحملهم الطريق أو لم يحتملوه .
بدأت في 2016 خطة خمسية أحاول بها إنقاذ ما أستطيع إنقاذه ؛ بتعلم عادات جديدة على أمل أن يستمر ذلك فعلا تراكميًا في السنين اللاحقة، فشرعت أقرأ في فنون متنوعة ودخلت في 2017 إلى أعمال جديدة، وفي 2018 دربت نفسي على مهارات تنظيمية أنجز بها أعمالي، ثم كنت في 2019 أكثر تركيزا على الغذاء والرياضة والإلتزام بالتوقف عن الخروج في مواعيد إرتجالية وتخصيص القراءة في أفكار معرفية محددة، وجاء 2020 – وأنا هنا أحكيها بصيغة التذكير وضعًا لها في خانة المصائب التي يتحملها الذكور- وانهار بهدوء بناءٌ من العزائم حاملا معه الكثير من مكتسبات أعوامي السابقة.

ولكن يأتي نقض البنيان ليفتح لي دربًا يكشف الذات ويزيل غشاوة الأمنيات وغرور المنى والاسترسال اللذيذ في السهل المنبسط من دغدغة الليالي والأيام.

في طرف عام ينقضي ألملم ما تبقى وأجدني أكثر إدراكًا لما تساقط على طول الطريق. وأجسر على مغادرة المركب، والدرب، والصحب، وأكثر قدرة على محاكمة الاهتمامات والأفكار التي زاحمتني
على مشارف العزائم المنقوضة أقف، أكثر إيمانا بضعفي وقلة حيلتي، وأكثر تصالحًا مع فكرة التخلي، أقف موقنًا أن إدراك العجز أول فنار الطريق .
في عامي القادم أرجو أن تحملني خطواتي إلى عتبات تنظر إليها عيني، وأن تكون الخطوات الثابتة الصائبة
على الهامش: خطتي الحالية أن أعود إلى النوم مبكرًا.

أخيرًا يقول أحمد شوقي بشير:
تتشابك الأفكارُ
يبتعد المدى
ذعرٌ قديمٌ
والضياء ضنينُ
في البالِ:
أيام أخاف قدومها
في البالِ أيام مضت وحنينُ
الراحلون الآنَ:
قمرٌ في دمي،
قربٌ بعيدٌ
يختفي ويبينُ
أصواتهم
تأتي إلي وتنجلي
طعم التبعثرِ مالحٌ وحزينُ.

الثلاثاء 14 – 5 – 1442

29 ديسمبر 2020

10:26 ليلًا

مقبرة الاسماء

11-10-2020
02:02م

يتصل بي كهل من أقارب أبي يسألني عن العمل في دائرة حكومية لا أعرف عملها ولا أعرف أحدًا يعمل فيها، أتلقى كثيرًا اتصالات من هذا النوع وأتكفل بإنجازها، قبل أن ينهي اتصاله قال لي: “مشكور يا فلان” وخاطبني باسم والدي. اعتدت في طفولتي أن يناديني خالي -سهوًا- باسم والدي، وبعد وفاته انتقلت العادة إلى زوجته، فكانت تخطئ اسمي كل مرة وتضحك خجلة ثم تلوم نفسها وتصحح الأمر، حين أسترجع طفولتي أجد أن هذا لم يكن الاستثناء بل القاعدة، نعم كانت القاعدة أن أُنادى من قبل الكبار -على سبيل الخطأ- باسم والدي، قليلة هي المرات التي نوديت فيها باسمي، وكانت نداءات باهتة. خطأ الكهل هذا اليوم أيقظ فكرة مجنونة في رأسي! – في أيام أخرى لطيفة لم يكن الخطأ سيلفت انتباهي -، لكن الأيام الثقيلة تزيد الرهافة تجاه المفارقات.
لقد كنت أتلاشى منذ البداية خلف أسماء ليست لي، اسم والدي في طفولتي، وألقاب تنابزية في مراهقتي، وعشرات المعرفات بأسماء مستعارة كتبت بها في الشبكة، المعرفات التي قتلتها أثناء نومها بخنق هادئ.
كنت محكومًا بالأسماء التي ماتت دون جنازة محترمة؛ لأنه لا أهل لها.

لم أقرأ يوماً لأتعلم ..

في صباي نشأت بحي شعبي يتجمع الناس بداخله في تكتلات وفقاً لصلاتهم العائلية وقرابتهم، وتتحدد مكانة الفرد وسطوته بعدد أقاربه، فالمزعج أنور مثلاً يتلفظ على الجميع ذهاباً وإياباً ولا يقترب منه أحد لأن العصابة المكونة من أشقائه وأبناء عمه ستفتعل معركة دامية.
كنت أكبر أولاد أسرتي والذكر الوحيد في أقربائي ولذا كنت الأضعف بداخل الحي. شاركني ضعف الموقف صديقي “وليد”، الذي كان يصغرني بثلاثة أشهر وليس لديه من الإخوة إلا شقيق يكبره كثيراً ويقضي عامة يومه خارج الحي، كان شقيقه ذا قامة فارعة يلقبه الجميع بالزرافة، هادئ الطباع، يبتسم بشكل محير يصعب تفسيره.

متابعة قراءة “لم أقرأ يوماً لأتعلم ..”