رضًا بمعاناة العدو

أسعى إلى الوقوف على كنه حياتي وحياة الناس. أستكشف المادة التي يستكشفها الكُتاب .. خرائط الحياة
– مانويل بيلاس

سيساعدك موظف تحت إدارتك وستنتقل إلى الجهة الأخرى من المبنى وسيكون لك مكتب مواجه للحديقة وتستطيع أن ترى من خلاله برج الساعة والحرم” هذا ما عدده موظف الموارد البشرية ليُوقف اعتراضي على تكليفي في القسم المستحدث. أكره البدايات، في العمل، والحب، والسفر، ولم أشأ مغادرة مكتبي بعد أن علقت به رائحة مختلطة من القهوة وعطوري ودخان العود وبعد أن صارت والدتي تميز وجودي فيه عندما تتصل بي من ارتداد الصدى عن جدرانه.
دخلت مكتبي الجديد فوجدت حماد يجلس متأنقا ينتظر مني أن أحيل إليه التعليمات عن طريقة إدارتي للعمل. ذهبت مباشرة لأتفقد الإطلالة ولأفتح منفذًا تخرج منه رائحة العطر الكثيف الذي رشه قبل قليل، شدني على الإفريز خلف النافذة حبوب عدس نيئة وعظمة تشبه عظم الصدر لطائر صغير وبقايا ملتصقة تحولت مع الغبار والحرارة والوقت إلى مادة صمغية سوداء اللون، اقتربت بوجهي ودققت متفحصًا فبدا لي ما يشبه بقايا الشعر أو الريش ملتصقا بها، قد أفهم كل شيء لكني لم أفهم ماذا يأتي بحبوب العدس إلى الطابق الثالث عشر رفعت سماعة الهاتف وطلبت من الخدمات أن يرسلوا عاملًا معه مكنسة كهربائية وممسحة ومطهر، حين حضر شرحت له أن يقلب المكنسة ليحولها من الشفط إلى النفخ ويطير بعيدًا كل هذه الأوساخ والبذور ثم دفعنا النافذة التي لم يتزحزح منها غير مساحة صغيرة سمحت بتمرير يده وسكب الماء والمطهر ودعك الإفريز وتنظيفه. أعددت قهوتي ثم نزلت إلى المدير التنفيذي في أول اجتماع لنا بعد إنشاء الإدارة لنتلقى المعتاد من القول في هذه الأحوال. عدت في منتصف الضحى وحين دخلت المكتب استوقفني منظر حدأة تقف على الإفريز وبمخلبها شيء تنهش منه، سحبت نفسي إلى الوراء ببطء حتى لا تطير وذهبت إلى مديري وسألته هل تعرف الحدأة ؟ قال نعم ، جاتك؟ قلت إيه وش دراك فأجاب كنت أعمل قديمًا في هذه الجهة وكانت تأتي إلى نافذتي وأتأملها من قرب، تصرفاتها عجيبة. سألته: ما تطير إذا قربت؟ قال لا  وباستغراب متحذلق استفهمت: عمياء ؟ قال لا لكن النوافذ في الواجهة مثل المرايا تعكس فما تدري عنك وضحك على وجهي الساذج الذي ظهرت عليه علامات الاستيعاب المتأخر. 
رجعت إلى مكتبي ولما توسطت الغرفة رفع الطائر رأسه إلي وأشخص نظره إلى مكاني فتوقفت عن المشي ووقعت عيني على عينه ومن خلف الزجاج وقفنا ننظر إلى بعضنا جارح ينظر إلى جارح. ومع خطوتي الأولى التقط بمنقاره بقايا فريسته من على الإفريز وارتد إلى الورا محلقا، وجدت مكانه أحشاء وحويصلة طائر صغير وألحقته بحسد بصري، باقٍ ينظر إلى راحل.

لقد كنت أرجو أن أراك فأطربُ*

تروي الأسطورة أن الرسم أصل النحت؛ فقد شرعت فتاة يونانية من كورنثوس في تخطيط شكل حبيبها المنعكس على جدار في ضوء مصباح، قبل أن يهم بسفر طويل. وما لبث والده الذي كان خزافًا أن يصنع من هذا الرسم مجسمًا من الطين المشوي، فكان أوّل نحات. في هذه الأسطورة ولد النحت من الحب.
-جوزيف طانيوس لوبس

حين طلب مني الرئيس اختيار الوقت المفضل لإجازتي الصيفية أظهرت وَرَعًا كاذبًا وزهدًا كزهد التجار؛ وقلت “سأترك فرصة لزملائي ممن لديهم أبناء في المدارس” لكن الهرب من المشاريع الصيفية للعائلة هو مبرري الحقيقي، في كل عام تخرج مشاريعنا العائلية في منتصف القيظ. قبل عامين قرر عبدالعزيز أن وضع مولدات للطاقة الشمسية عند غنم الوالد؛ سيكون أفضل استثمار للشمس الحارقة المندفعة من كبد السماء، فأنشأ مجموعة واتساب ناقشنا فيه القليل عن الطاقة الشمسية والكثير من الخلافات، ثم في آخر الأمر أحضر الألواح، وقد رأى -حين تقلصت الميزانية- أن بطارية التريلات الرخيصة ستفي بالغرض بدلا من البطارية المخصصة التي عرضها عليه البائع الصيني في علي اكسبريس، وحتى يومنا هذا تستند ألواح الطاقة -بلا فائدة- إلى إحدى أعمدة شبك البرسيم، بعد أن مسح عبدالعزيز مدخرات جيوبنا وعقولنا لينتج مشروعا ميتا يمتعض أبي من الحيز الذي يحتله بلا فائدة.

قبل أيام ونحن جلوس إلى الغداء قالت أختي “دامكم فاضين بالإجازة ليش ما تطلعون بطاقة لسلطان، طفشنا بذي الحجة وهم يدققون  بالتفاتيش كل شوي يطلبون هويته، ونعطيهم كرت العائلة” وسكت الجميع. كانت هذه لحظة من تلك اللحظات التي يلتفت فيها والدي إلى وجوه كبار الذكور من عياله ويحرك رأسه آسفا على أننا لا نملك عقلا كبيرا كهذه الفتاة ذات الصوت الصغير، تشاغلت مدعيا مجاهدة اللقمة وقد كان فمي فارغا فبدوت كمن يمضغ الأفكار بجمجمته، ورفع إخوتي نظراتهم إليها وكل واحد فيهم يتخيل الطريقة التي يقطع بها لسانها، كنت الأقرب مجلسا ومأخذا والأكثر ترويضا، فالتفت أبي وقال “احجز له موعد ووده هذي اليومين”.

أتممت مهمتي يوم الخميس وعدت ضحى إلى البيت بيدي بقايا الأوراق، -وكنت بسبب الخبرة الطويلة قد نسخت كل نموذج يمكن أن يسألني عنه أحد بدءا من العنوان الوطني وانتهاء بكرت التطعيمات- وبين الأوراق المرتجعة عدت بظرف صغير به بقايا الصور التي أرفقها أخي بطلب الهوية، أخذ والدي الظرف وتأمل إحدى الصور وكأنه لا يعرف الماثل فيها. ثم فتح محفظته ووضعها، ولم يفهم الموجودون ماذا صنع -وهذه إحدى المشكلات الثقافية الناتجة عن وقوع ولادة الانسان بين 1999 و 2010- بعد أن غادر والدي تسائلوا “وش فيه أخذ الصورة ” فقلت لهم بيرسلها لولد عمنا الثري اللي هاجر من 40 سنة وعنده كل صور الكبار على شان يضعها في الوصية. فقالوا منجد؟ قلت “لا مو منجد يبي يحتفظ فيها ذكرى

أدركت وقتا كنا نتبادل فيه الصور المطبوعة، وحين يذهب أحدنا ليلتقط صورة شخصية يزيد في عدد النسخ، ليوزع  بطريقته ما يفيض عن حاجة معاملاته. سعيد ابن عمتي كان يتأنق عند ذهابه إلى التصوير مثلما يستعد لوليمة زواج، ثم يوزع علينا صوره كمن يوزع تذكارت على معجبيه. أشباه سعيد تمتلئ حساباتهم اليوم في الانستقرام بصورهم بلا سياق وتحتها اقتباسات عن الذكاء والحياة والنجاح والجنة والنار.

يحتفظ الناس بالصور في أماكن عدة ولا أعرف أول من احتفظ بها في المحافظ لتكون في الجيب الأيسر القريب من القلب بين النقود وبطاقة الهوية . في شمسية سيارة أحد السائقين رأيت صورة لابنته وزوجته وكأنه يستظل بهما حين يصد الشمس عن وجهه. استمدادا للعزيمة يضع بعضهم صور أحبابه على طاولة مكتبه وينظر الجندي إلى صورة من يحب قبل المعركة تتراجع أناه هنا وتنمحي تضحية لوجه المحبوب. نعلن الحب بوضع صور من نحبهم على شاشة الهاتف وخلفيات المحادثات، ونخلد الغائبين بجعل صورهم تعريفا لنا، يروون أن صديقا زار ماركيز بعد أن فقد ذاكرته، وحين رآه قال له ماركيز لا أعرف من أنت ولكني أحبك، تنطبع الصورة في الوجدان فتتخطى قدرات العقل والذاكرة الدماغ ويندفع الحب إلى قلوبنا -وإن عجزنا عن معرفة أسبابه- حين نرى من نحب.

قبل اختراع الكاميرات احتفظ الناس بصورهم بكل الطرق، نحتًا على الصخر، ورسمًا بالحبر، وأخفى المحبون وجوه أحبابهم عميقًا، حتى تمثلوا في كل شيء، فقال أحدهم :

ولا شربت زلال الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكأس

وقال الآخر “ياشبيه صويحبي حسبي عليك” وقبل التقنيات الحديثة وثقت الصور: الأماكن، والتواريخ، والأحداث، وجعل بعضهم الصورة وجها، يحمل الرسائل في ظهره. أرسل إلي صديق امتدت بيننا الأحاديث صورته، وقال: حتى يكون لصوتي صورة، نمنح وجوهنا لمن يحبنا ونحبه ونقول لمن صد عنا (ما يعطينا وجه).

زوجة خالي تحتفظ بالصور بطريقة إرشيفية ومن المألوف جدا أن تجد لديها صورا تمثل فترات زمنية مختلفة لذات الشخص، وكلما أردنا صورة قديمة سألنا أم مازن عنها، في حياة كل منا ذلك الذي يحتفظ بصور لنا محرجة؛ صور نومنا وأكلنا وعثراتنا، لدينا الكثير من أم مازن.
أستخدم صورة بلا رأس في وسائل التواصل ، وفي الواتس أب اضع صورة أجلس فيها على تلة وأنظر بعيدا ؛ أترك لمن يراسلني فرصة قول ما يريد دون النظر في وجهي.


*العنوان شطر بيت للمتنبي

نكرة يجوب الأرجاء

ما أجمل لو كانت الذكريات تنتظم كحبات اللؤلؤ في عقد يمتد من الطفولة إلى الوقت الحاضر ! أو دعنا نستخدم تشبيهاً آخر ونقول: لو صار الجدول الصغير، الذي يتغذى من لحظات الحياة، نهراً يكبر ويتسع حتى يصب في اليوم الحاضر. ولكن الأمر ليس على هذا النحو، بل إنه يشبه البرك الكبيرة والصغيرة المتفرقة بعد الأمطار الغزيرة. لو استطعنا أن نحفر بعصا أخدوداً في الأرض المبتلة بين بركتين متجاورتين، فإن محتواهما يمتزج مُكوّناً ذكرى واحدة شديدة الوضوح. غير أن أغلب الذكريات تظل بركاً منعزلة.
باول مار

لن تتذكر أول مرة أكلتَ فيها طعمية، وعلى الأرجح فإن وعيك يتعامل بتفاهة مع حدثٍ كهذا فيخفيه بعيدًا عن ذاكرتك. أما أنا فأتذكر ذلك، كنت في الثامنة، وقد مضى على انتقالنا إلى جدة ما يقارب السنتين، قضيناها في تنقلات بين بيوت مستأجرة، وفي ذلك اليوم كنا في بيتنا الثالث. هل تصدق هذا؟ ثلاثة منازل في سنتين!
كنت صبيًا انتقل من أقصى الشمال تاركا خلفه صديق طفولته الوحيد؛ ابن جيرانه دحيم، إلى ساحل الحجاز حيث حسن الملقب بكعشه، وأشخاص كُثر لهم ألقاب مناداة كأسماء العفاريت لن تعثر عليها في معجم، جاء الانتقال بدهشة الوجوه المختلفة والركض، والأحداث السريعة وجاء بانفساح الكون؛ فهنا ليس للحي بداية أو نهاية، ولم يعد للبيوت أرقام ولا للشوارع رموز، وهنا غبار في السماء تُعلقه -بكثافة المشي- أقدام الحفاة على الأرض، هنا تذوب هوية المكان فلا يصبح له اسمٌ ولا وظيفة؛ يعبره من أراد بسيارته ليتخذه طريقا أو يحتله آخر فيكون موقفًا أو يقتنص فراغه الصغار فيصبح ملعب كرةٍ محتملًا.
هنا صار للأيام معنى جديدًا بين أشخاص لهم القدرة على تحويل كل شيء إلى لعبة، بدءا من الإطارات المعطوبة وانتهاءً إلى علب الكولا وأغطية القوارير وحين تختفي البقعة التي نتخذها ملعبًا؛ نتنافس في ما يشبه الحياة، فيأخذ كل واحد علبة صغيرة يحرسها من كرات الآخرين، ينتصر في اللعبة من يسقط الآخرين وتظل قلعته محمية إلى النهاية.
لم يكن الانتقال الجغرافي إلى هذا العالم الممتد يعني شيئا أمام شعوري بانتقال حياتي من المتن إلى الهامش؛ استوعب الطفل المتمركز حول ذاته وأنانيته عالمًا أكبر منه لا يدور حوله ولا يأبه له، وبقدر الحزن الناجم عن شعور الضآلة؛ شعرت بالانتشاء لوجودي في عالم رحب لست ملحوظا فيه ولا ملفوظا، الجميع لا يعرف الجميع، ولم يعد دخول الحارة المجاورة بالخطأ سبيل للتعرض للأذى أو أن يسألني أحدهم: “ولد من أنت” 
ومضيت إلى أبعد نقطة أعرفها؛ مسجد الحارة . وأمامه غير بعيد عن بابه، لقيت جمعًا من كبار السن على دكة عالية جدًا بلا جدار يمنع أحدا عن السقوط، مجتمعون إلى بعضهم بلا نظام، تختلط أصوات حديثهم، ولا يمكن تبين من يقصد كل متحدث فيهم بكلامه، يمر من بين أيديهم أطفال وأحفاد دون أن ينقطع حديث أو يدور نظر، وكأجنبي يدخل إلى عشيرة توقفت منتظرًا أن تستنكرني العيون، ولما تأكدت أني لم أخرق محظورا انطلقت متجنبا النظر إليهم حتى وقفت عند باب واسع مفتوح إلى الشارع تعلوه لوحة مكتوب عليها (بوفيه) وفي أعلاها إلى اليمين مروحة شفط مهولة اختلط الغبار على هيكلها بدسومة الزيت، تخرج منها رائحة قلي عجيب، اقتربت لأرى على ماذا يتجمع هؤلاء فوجدت رجلا يقف أمام قدر زيت عظيم وبيده ملعقة حديدية بها من الفراغات أكثر مما بها من الحديد، يديرها في المقلاة ثم يرفعها بطريقة من يجني صيدًا، مملؤة بحبات بنية ينفضها أربع مرات سريعة ثم يرفعها خامسة ويخفضها ليقطر منها آخر ما يمكن نفضه من الزيت ويميلها إلى الجنب، وقبل أن يشرع في تقسيمها على الواقفين يمسك أداة مجوفة يحشوها بمادة خضراء ويلقيها بحركة سريعة وتلقائية وهو يحرك شفتيه بحساب كم قطعة ألقى في قعر الزيت، يصنع ذلك وعينه تدور في الأطفال حول منضدته ويوجه حشدهم بإشارات وجهه وحين يخرج الوضع عما يريد يصرخ بلهجة سودانية “يا ولد” ليسود النظام مجددًا.
رأيتهم يأخذون علبًا زجاجية من مشروب غازي يفرغونها في كيس ويضعون بداخله مصاصًا ويقولون نص نص ويمدون إليه ريالا فيناولهم كيسا، اختلست نفسي إلى البيت وتسولت أمي ريالا ثم عدت أركض قبل أن يدركني المغرب وخيل لي أني زدت كثافة الغبار في الجو وحين وصلته ناولته الريال وقلت له نص نص فمد لي كيسا بنيا وقبل أن ألتقطه قلت له وش هذا قال لي طعمية! فأخذته وأخذت مشروبي ثم بالخارج نظرت إلى الكيس الصغير فوجدت به ثلاث قطع قضمت الأولى ثم الثانية والثالثة وكان المذاق جديدًا على فمي ساخنا ومقرمشا ولذيذا وندمت على نصف الريال الذي أهدرته على كيس ميرندا لا حاجة لي به، عدت إلى البيت وأنا أمتلك مخططًا للغد
في اليوم التالي أخذت ريالي وناولته إليه قائلًا بريال طعمية يا محمد فترك الكيس الذي أمسك به ونزل بجذعه قليلا ليخرج كيسا كرتونيا أكبر منه وضع به ست حبات ثم نظر إلي نظرة فاحصة قيّم بها وجهي وزاد حبة سابعة ثم مد إلي الكيس فخرجت به مسرعًا حتى أصل قبل أن تذهب حرارته، وفي الطريق لم أتمالك يدي فأكلت قطعة، وصلت البيت ووجدت أخواتي الصغار ووالدتي في الصالة قرب باب الحوش الذي يُسقط ضوءًا يغمر منتصف البيت، ألقيت عليهم الكيس وعيني تترقب ملامحهم وهم يتذوقون هذا الشيء الغريب لأول مرة، لقد جربت شعور البحارة الذين يجلبون التوابل من خلف البحار .
علمت بعد ذلك أن الناس يصنعون منها ساندويشات وكنت أظنها تؤكل مستغنية بنفسها عن الحشو والتغميس. بعد سنتين أو ثلاث صارت الطعمية خارج مفضلاتي الغذائية، ولا آكلها إلا مضطرًا.

حنينٌ إلى نغمٍ ريفي.

كل محرضات الشعر أمامي ومن حولي .. ولكن لا شيء يحرضني على الكتابة إلا الصغائر والترهات العابرة والمفاجآت المنزلية المباغتة .. كأن تندلق القهوة على ثيابي، أو أفاجأ بخطأ في فاتورة البقال أو الهاتف؛ لأنني أسجل ديوني وأقرأ فواتيري كما أقرأ الشعر.  (الماغوط)

عشت سنوات طفولتي الأولى في إسكان كبير جدًا قُسم إلى مربعات سكنية بحسب الرتب العسكرية لأصحاب البيوت، وتمتد المربعات مسافة بعيدة عن بعضها بالسيارة لكنها تتناقص إلى بضعة كيلوات إذا سلك الشخص على قدميه طرقًا مختصرة بين المجمعات.
في أحد المساءات قبل أن أبلغ السادسة، عزمت أثناء وجود والدتي بالمدرسة المسائية على زيارة قريب لي يسكن مجمعًا بعيدًا عنا. واستقر رأيي على سلوك طريق السيارات الطويل؛ لأنه الطريق الوحيد الذي تعرفه ذاكرتي الصغيرة، احتاجت خطتي إلى شريك فأغريت شقيقتي بالمغامرة متبجحًا بمعرفة الطريق، ولأن أصدقاء السوء يقدمون عروضًا لا يمكن رفضها؛ وافقت على مرافقتي. وسرنا كما تسير المركبات، من الحي إلى المواقف، ومنها إلى الشارع الفرعي، وصولًا إلى الطريق السريع، ثم مشيا على رصيف حذاء درب السيارات الدائر على المجمعات.

بطريقنا صادفت نخلة صغيرة تدلت منها عناقيد (بسر) خضراء اللون، فوقفت أشرح لمرافقتي أنه نوع من التمر وأن هذه نخلة فبالتالي هذا (بلح) وأننا لو أخذناه وتركناه في المنزل سيصبح أصفرًا فيما بعد، قطفت واحدة وناولتها لها وتناولت أخرى، وبعد قضمة صغيرة بصقت ما قضمته وألقيته على الأرض ثم نظرت إلى شقيقتي التي سبقتني إلى نفس الفعل، قدرت بسذاجة طفولية أن عدم استساغتي له لا يعتبر عيبًا وأن والدتي التي تحب البلح ستسر بها فالكبار دائمًا ما تطرب أمزجتهم الأشياء المريرة، اكتنزت أربع حبات منها في جيبي وأغلقت عليها جيدًا ثم أكملت الطريق. وقد لحظت أن المركبات تخف سرعتها عند محاذاتنا ويرن أصحابها بأبواق التنبيه وكنت أكتفي بالتلويح لهم مطمئنًا، أني بعيد عن الطريق.

بعد مدة انتهى سيرنا إلى النزول بوادٍ ذي صخور ونباتاتٍ وأشواك برية مستديرة تلصق بباطن القدم وقد كنا نمشي حفاة، غربت الشمس ونحن لم ننتصف الطريق وتنبهت حينها أن المسافات التي نقطعها مع أبي في دقائق قليلة أخذت منا قرابة ساعتين حتى الآن وفهمت لأول مرة أن المسافات تمتد حين نقطعها دون أهلنا، أردت أن أصل إلى بيت قريبي سالمًا وأكون بطلًآ يغض الطرف عن ذهابه دون استئذان. ولكني اضطررت للعودة مستسلمًا في منتصف الطريق نتيجة التعب والخوف وبكاء شقيقتي ونزول الظلام وتجرح أقدامنا من الصخور والأشواك.

وفي عودتنا توقف بجوارنا رجل اكتست لحيته بالبياض كان أحد أولئك الذين ضربوا لي أبواق التنبيه بل كان أكثرهم إصرارًا، وعند مشاهدته لنا بطريق عودته قرر التوقف مدفوعًا بالفضول وفائض أبوة ناجم عن غرابة وجودنا في هذا المكان، سألنا إلى أين نتجه فأخبرته بوجهتنا ورقم منزلنا واسم شارعنا ومكان حينا بشكل دقيق، ولكنه لم يأخذ كلامي على محمل الجد.

ذهب بنا إلى بيته ثم أجلسنا في المجلس محاطين ببناته الشابات ومد لنا حليب بارد وعصير برتقال وبقي يتناقش مع زوجته وبناته عما يفعل بنا، في النهاية أشارت زوجته بأن يذهب حيث أرشدته ثم يرى ويقرر بعد ذلك أن يذهب لمركز الشرطة أم لا، كنت كمن يشاهد فيلمًا سينمائيًا ويصرخ من خلف الشاشة على البطل ليخبره بما غاب عنه دون أدنى إستجابة، بقيت أجيب على أسئلة العائلة المدهوشة وأخبرت الأب أني شاهدته في عزيمة عشاء بمنزل جارنا أبو فلان ولكن الرجل لم يصدقني وأخذني كالمتشكك إلى حيث أُرشده وأخبرته عند وصولنا إلى المواقف البعيدة أنه يكفي عليه التعب حتى هنا وسأكمل بنفسي الطريق إلى المنزل لكنه رفض ونزل بنا ممسكًا في كل يد بأحدنا، وكنت أردد له “أعرف الطريق” ولكنه تجاهل كلامي مكتفيًا بالتحقق مني بعد كل مرحلة إن كان منزلنا في هذا الإتجاه.

دخلنا إلى حينا الأصغر وقد بدا ضاجًا على غير العادة في وقت صلاة العشاء كان الشارع مليء بالرجال والنساء، وأضيئت أنوار البيوت أكثر من المعتاد، وعند دخولنا رفق الرجل الغريب بدأ الجميع ينادي ويشير إلينا، فجاءت أمي فزعة وقد ارتدت عباءتها بطريقة فوضوية لم اعتدها وتسير نحوي بقدم حافية، لم أفهم لماذا بدت رثة هكذا ولم الحي صاخب، اقتربت مني ثم بادرتني بلطمة قائلة “وين رحت يا كلب” وسحبتني بأذني وأنا أصرخ “ما ضعت يا أمي ما ضعت كنت بروح ألعب عند محمد” أدخلتني إلى إحدى الغرف وضربتني ضربًا ممزوجًا بالخوف والقهر وهي تردد “ليش تروح وأنا ما أدري، ليش ليش” وبعد أن أخذتُ حصتي من النشيج والبكاء تذكرت أمرًا فأدخلت يدي إلى جيبي ومددتها لأمي وقلت “جبت لك شي تحبينه” فأخذتني في حضنها وبقيتْ تبكي مفرغة قلقها وهلعها على كتفي.

ومنذ ذلك الوقت وأنا أردد للناس “لست ضائعا أنا أعرف الطريق جيدًا” ولا أحد يصدقني.

فصل أول …

تروي أمي أني ولدت هزيلًا، مجهدًا، ذابلًا، قبل موعد ولادتي المفترض. جئت بعد 7 أشهر فقط قضيتها جنينًا في بطنها. وحين ولدتني كنت التؤام لأخت سبقتني إلى الوجود بخمسين دقيقة.

بهذا المأزق خرجت إلى العالم، ناقص النمو، ضئيلًا ومتعبًا، ومتأخرًا عن شقيقتي، فجمعت بين تعجلي اللامكتمل ، والتأخر في ترتيب الواصلين. وكانت أول مفارقاتي بالحياة.

ولدت شقيقتي أكثر صحة مني، وولدت على مشارف الخطر، ولذا لم تمكث شقيقتي سوى أيام في المستشفى، بينما بقيتُ في حضانة الخُدج موصولًا في كل جزء من أطرافي بأنابيب التغذية والتنفس والعلاج، وكان أمل أهلي في استمرار عيشي ضئيلًا. وبعد شهر ونصف من الدعاء والعلاج والنوم وحيدًا باردًا بداخل حجرة زجاجية مكعبة خرجت إلى العالم!

يربط فرويد ما يحدث للإنسان في حياته الراشدة بالغرائز والخيالات الجنسية، ولكن لو صح لنا أن نجعل أحداثًا حياتية حاكمة على تصرفات شخص راشد فسأجعل تجاربه الأولى على الأرض بذرة في بناء ذاته.

ولادتي إلى الدنيا على كف الخوف، وما عانيته في الأيام التي تلت ذلك صبغت حياتي ببصماتها التي لم تمح من نفسي، عشت كذئب وحيد أفتقد طول النفس وأقضي أيامي متثاقلًا عن إنجاز ما يجب إنجازه، وبتقدم العمر تكبر عادتي في ترك الأشياء إلى ساعة الصفر، وكأني أنتقم من مجيئي المبكر إلى هذا العالم بصنع الأشياء في لحظاتها الأخيرة.

تجاوزي لهذا الموقف عزز بداخلي رغبة النجاة. فقضيت حياتي محاولًا النجاة من الجهل، ومن الذوبان، ومن التفاهة، ومن الرضوخ، ومحاولة النجاة من الانسحاق تحت عجلة الوجود الصعب.

لو كان لي خيار إعادة تسمية نفسي لسميت نفسي (ناجي)

ورونا كشختكم

يستثير العيد قلقًا مخفيًا في نفوس المحبين، حيث يأتي في صورة الغاية من البهجة والمنتهى في التجمل والصلة المتجددة بكل أحد عدا المحبوب البعيد. يزداد القلق بتجدد أشكال الحياة الفرائحية في العيد، واستمرار الصلة بالمحبوب في رتابتها المألوفة. ويجترح العيد حزنًا نبيلًا في صلة المحبين، عندما تقوم أفراحهم فيه متوازية متباينة ومستقلة في صورة مسرات لا تعرف بعضها. أحوج كل ذلك المحبين على مدى الزمن إلى الاعتذار والتبرير بعشرات الطرائق والسبل. بداية من سلب العيد أسبابه وعوائده والتقليل من مظاهره وصوره كمن قال “أنشهد إن العيد بشوفك ولقياك ماهو بقول الناس عيدك مبارك” وقد يجعل لنفسه عيدًا يشترك مع الأعياد في الرؤية ويختلف في المرئي فيقول “العيد عيد الناس يبدأ بشوال والعيد عندي يبتدي يوم أشوفك” جاعلًا بذلك أعياد الناس مجازات وحاصرًا العيد على الحقيقة في محبوبه. وفي صورة اعتذار عن خطيئة الابتهاج بعيدًا عن المحبوب يقول أحدهم “العيد والله بشوفتك يا اكحل العين ماهو بشوفة ربعنا والجماعة” وهو يفتخر هنا بما لا يفخر به في غير هذا السياق، مستخدما مفردتي ربعنا والجماعة وما تحمله من دلالة الحمية والانتماء الرجولي الذي يتخلى عنه لصالح المحبوب ويعبر غيره في سياق استخفاف بكل أحد “وصافحت من لاقيت في العيد غيرها وكل الهوى مني لمن لا أصافح” وعندما لا يجدي كل ذلك حيلة يغبط المحب المكان والعيون وكل من يحيط بمحبوبه واعتبارهم هم من نال العيد حقًا بما لا يقوم مقامه أي عيد آخر فيقول “أهلٌ، تعيشينَ حتى الآن، بينهمُ طوبى لهم، لم يغبْ عن دارهم، عيدُ” ومع ذلك فقد ينجح المحب في اختراق ذلك والوصول إلى ما لا يمكن الوصول إليه، صديقي الذي خطب فتاة تعجبه أرسلت إليه موافقتها صباح العيد بعد طول ترقبه لرد منها: وختمت رسالتها بـ “أبعثها عمدا صباح العيد ليكون للناس عيدهم ولنا عيدنا” وقد استطاعت هذه البارعة أن تصنع لصديقي عيدًا لم ينساه. يفشل المتجردون من الحب والذكاء عن خوض هذا الصراع لذا يكتبون ببلادة في صباح العيد (من العايدين ورونا كشختكم).

حياةٌ منزوعة الملل

سكين الذبح مخدشة، أما سكين المائدة اللامعة فلا تصلح إلا لتقطيع الزبدة

– خالتي فاتن

بسبب موجة مطر خفيفة مساء البارحة تأخر وصول شحنة الكتب الثانية إلى مكة؛ فاخترت المبيت في أحد فنادق العزيزية الرخيصة حتى الصباح. وبمشقة حصلت على موقفٍ بطرف الشارع الرئيسي في صف فنادق مكتظة. ولاحظت أثناء التوقف سيارةً عائلية مرفوعٌ غطاء محركها وأبوابها مفتوحة ناحية الطريق ويتحرك حولها أطفال صغار، وأمام المركبة رجلٌ في أواخر الأربعين أو بداية الخمسين، وينظر بنظارة ذات عدسات غير مؤطرةإلى المحرك، بطريقة هادئة كمن يقرأ كتيب تعليمات، ذكرني موقفهم بكابريس والدي موديل 87 وتوقفاته بنا مرات ومرات في طرق سفرٍ بين المجمعة وشقرا وعفيف والدوادمي، وتذكرت النشامى ممن يقف لنا كل مرة ويسألون والدي “متعطلين؟” كراهية تلك الذكريات أعجزتني عن تجاهل الرجل وعائلته. فسلمت عليه وأنا ما زلت بسيارتي وقلت بصوت عالي ( متعطل؟ ) سألته، وفي عمق نفسي رجاء أن يجيب بالنفي لأدخل فندقي وأنام. لكنه شرع يشرح المشكلة من بعيد وصوته لا يصلني بسبب ضجيج الشارع؛ فسحبت مفتاح السيارة من مكانه ونزلت إليه.

من الموقف القصير شعرت أني أمام معلم اعتاد الاسهاب في الشرح، وحركة أولاده حول المركبة في منطقة سيارات مسرعة غير منتبهين لمخاطر المدن ومخاوفها، يشير إلى أولاد قرية صغيرة أو محافظة منعزلة يتحركون بشجاعة من لا يُقدِر الأمور. في هذا الموقف كنت أنا فأر المدينة ¹ وكان هو فأر البرية، وإن كانت مظاهرنا تدل على عكس ذلك. قلت له ادخل أولادك إلى السيارة واقفل الباب المفتوح ناحية الطريق، ثم نظرت في المحرك ورأيت أحد الأسلاك الموصلة بالبطارية قد ذاب ما يغطيه من مادة ورائحة بلاستيك محترق تصل إلى أنفي وحين عاد إلي سألته عن مكان سكنه فذكر فندقًا قريبًا. بعد مسائلة فهمت أن السيارة مازالت تشتغل، ولم يخرج منها دخان أو رائحة احتراق وقود أو ارتفاع حرارة. فقلت له: شف، أفضل خيار نوقف السيارة بمكان مناسب ونأخذ أولادك إلى الفندق؛ لن تجد كهربائي ينظر إلى المشكلة في هذا الوقت المتأخر.

طلبت منه إنزال عائلته بجانب السيارة ثم يقف بها مكان سيارتي بعد أن أخرجها من موقفها الرهيب. تركته ينفذ الخطوة الأولى وتحركت بسيارتي إلى جانب الطريق، وعدت لأجد أحد كبار السن توقف في الفراغ الذي تركته فلحقت به وطلبت منه المغادرة ثم عدت أنظر إلى محرك السيارة المتعطلة فإذ بصاحبها ينظر إلي بعيون قطة جائعة، ويشير إلى سيارة أخرى توقفت وكأنه يطلب مني النجدة، فذهبت وطلبت من الآخر المغادرة، لكنه طلب مهلة ليتحقق من وجود غرف بالفنادق المجاورة، فقلت له بتجهم ياخي اطلع معنا سيارة متعطلة نبي الموقف، طلب مني دقيقة فقط لكن أصررت على خروجه حالًا؛ فتحرك بسيارته وهو يحوقل ويتمتم، نظرت إلى صاحب المركبة وبطريقة متعالية ومتجاوزة فارق السن بيننا قلت بسرعة امش قبل أن يأتي شخص ثالث يأخذ الموقف علينا. أوقف سيارته بطريقة نظامية كمن يختبر للحصول على رخصة المرور. ثم ركب معي وأوصلته وعائلته إلى فندقهم، وقبل نزوله عرف بنفسه ومدينته وأخبرني أنه يبني عمارة في مكة لاستثمار جزء منها والسكن فيها بعد تقاعده…

بين الحياة الصغيرة المستقرة، و تجارب الترحال المضطربة، ثنائيات لا تجتمع، مكاسب وخسائر في كل إتجاه، غنى المال أم الروح، قلق التجارب أم براءة السكون، لا أفضلية مطلقة في الحالة الإنسانية وإن كنت أختار لنفسي رأي خالتي فاتن

_____

1- يقال في كتب الادب التقت فارة البرية النحيلة بفارة المنزل السمينة في السوق فسألتها من أين لها كل هذه العافية فقالت تعالي إلى البيت لأريك الخير ، ثم في البيت رأت الفخاخ والمصائد والمهالك التي لا تعرفها في الصحراء …. وبقية القصة معروفة

ما لا يُجاب

راجعني في العمل شخصٌ لإنهاء إجراءات تقنية، واستكمال قوائم مالية لمؤسسة شقيقه المتوفى. ولأن الاجراءات تتطلب ساعة عمل الاجراءات؛ فقد عرضت عليه أن أعد قهوة مقطرة وقطعة براونيز ، بدلًا عن خروجه في حر أغسطس؛ فقبل عرض الضيافة المغري وعلى طرائق العرب قمت أحضر القهوة وأنا أحادثه أحاديثٍ عامة وانتهى بنا الحديث المتهادي المترسل إلى وفاة شقيقه فوضع نظارته على الطاولة بجوار كوب قهوته وقال:
كنت في البيت عصرًا وقد استيقظت من قيلولتي وأتصفح هاتفي حين وصل خبر الحادث الذي تعرض له برفقة صديقه، ذهبت إلى الطوارئ سريعًا ووجدته أدخل غرفة العمليات فانتظرت إلى العاشرةً ليلًا، وصعدت مرافقًا له إلى التنويم، وقد استقرت حاله وسارت عمليته بشكل ممتاز، ثم بمنتصف الليل فتح عينيه وبدأ محاولة التحدث، لكني منعته لصعوبة الكلام عليه، قلت له ستتحسن غدا ونستطيع الحديث كرر المحاولة، ولكني تجاهلت إصراره، استخدمت نفوذ الأخ الكبير الذي يعرف الأصلح. سكت ونظر إلي لثوان ثم حول نظره إلى الهواء بعينين نصف مغمضة وبعد دقائق نام. لا أعرف متى غفوت وكم بقيت ولكني استيقظت على حركة الممرضة تحاول ايقاظه دون استجابة، نتيجة الغيبوبة نُقل إلى العناية المركزة ومات بعد 3 أيام.

سألته عن سبب الوفاة فأخبرني أن التقرير كُتب فيه “هبوط بالدورة الدموية” ترحمت على أخيه ودعوت له وسكتنا برهة وتظاهرت بترتيب أوراق والنظر في هاتفي، وشدني حين التفت إلي، وقد روى القصة كلها ووجهه إلى غير ناحيتي. لما التقت أعيننا سألني بوجه الباحث عن جواب عصي: تتوقع وش كان بيقول لي ذاك اليوم؟ في محاولة لطمأنته أخبرته أنه في الاغلب لم يكن بكامل وعيه ولم يرد قول شي محدد، وربما يتوجع فقط، فهز رأسه وسكت ولم نتبادل أي كلام حتى انتهيت من أوراقه وذهب بوجه من يشعر بالذنب، ملامح رجل قتل شقيقه بالخطأ.

على قناة التلقرام مجموعة من الشذرات اليومية والمشورات القصيرة في هذا الرابط  أو بالبحث عن blogswarraq
* هذه التدوينة منشورة بشكل آلي على تويتر من خلال منصة وورد بريس.

عطرٌ أقسمهُ في جسومٍ كثيرة*

أراد بعض الأشخاص أن يصبحوا أثرياء أو مشهورين لكني وأصدقائي أردنا أن نصبح حقيقيين. أردنا أن نغوص في الأعماق

آن لاموت

قبل أن يلتقوا لأجل الدراسة في الرياض جمعتهم رابطة خفيفة؛ محورها صداقات مشتركة برفاق مقربين، تلك العلاقة التي تقف في برزخ بين الصداقة العميقة والمعرفة العابرة من يلتقون كثيرًا في دائرة دون أن يربطهم لقاء منفرد. ثم جمعتهم الرياض على غير ميعاد. أكبرهم متقدَ العقل بقدرة حفظ مبهرة، ونفس طويل في متابعة الأشياء، وجلد غير مألوف للحصول على مايريد. انقطع عن الدراسة بعد المتوسطة ¹، وعمل في أشغال مهنية متعددة، كالعمل في كبائن الاتصال، وقيادة الشاحنات للتوصيل بين المدن … وحين سئم ذلك أكمل دراسة الثانوية، وتخرج منها يكبر زملاءه بسبع سنين، الثاني سبقهم بسنة دراسية إلى الرياض والتحق ببرنامج تعليم وتدريب مكثف ينتهي بعقد توظيف إلزامي في شركة أجنبية، اعتاد الخروج قبل الفجر والعودة إذا غابت الشمس أو كادت. ثالثهم فُتن بمكتبات الرياض، زارها كل ما سنحت له الفرصة يقلب الكتب متحسرًا ويعود بيدين فارغة لم يدم اجتماعهم أكثر من سنة لكنها كانت تجربة محضة من الألم والانزعاج والعيش الغرائبي والخلاف الدائم.

استخدم الأول تجربته الحياتية، وفارق العمر، سلاحًا يبرزه في وجوههم عند كل نقاش؛ ليحملهم بصلف على طباعة وآراءه المتصلبة، تفوق في دراسة الجامعة بتخزين كل ما يدرسه، مثل سنجاب شره، ثم بمنتصف الفصل الرابع ترك الجامعة، وانتقل إلى منطقة أخرى حصل فيها بوساطة خاله على وظيفة إدارية متدنية الأجر زوجه ابنته، وبعد خمس سنوات من اجتماعهم في الرياض، ضبطته إحدى جهات الأمن لأنه صرخ قبل صلاة العشاء في صحن المطاف في الحرم بأنه المهدي المنتظر، ثم أخلي سبيله بعد تعهد بمراجعة طبيب مختص.

ثانيهم تسبب في ارتباك المجموعة نتيجة امتعاضه الدائم من غياب ضوء النهار عن حياته، وزاد من ذلك تذمره من أفعالهم وأفكارهم وطباعهم الأكاديمية واهتماماتهم المعرفية، وكمن أصيب بقرحة معدة؛ كان دائم الضيق لسبب لا يفهمه. بعد عشر سنوات من عيشهم ذلك انتهت الفترة الإلزامية من عقده الوظيفي فتخلى عن عمله ذي الدخل العالي وهرب إلى قرية بعيدة جدًا، اتخذ له سكنا في بيت موروث لا مطامع لأحد فيه، استقر هناك يحمل في رأسه رغبة بالانطواء عن القرف الإنساني.

ثالثهم انسحب إلى نفسه بعد أسابيع قليلة لكثرة توبيخ رفاقه على إنفاق ماله القليل في الكتب بدلًا عن دفعه على غسيل ثيابه في مغسلة غير مغسلة الجامعة التي تغسل ألف قطعة من الثياب في غسلة واحدة منقعة في النيلة بسرف، أو دفعه لأجل طعام محترم غير الوجبات الرخيصة والمليئة بالدهون والأملاح والبهارات، التي يأكلها في مطعم الجامعة. كما لم يحتمل لومهم له على غيابه المتكرر عن الجامعة. في نهاية العام الدراسي انتقل إلى مدينة أخرى يكمل فيها الجامعة ويشرع بعدها في الارتحال إلى أماكن شتى. وبعد 15 سنة من اجتماعهم ذلك أنشئ حسابًا باسم وراق يكتب فيها أفكارًا لا تقل غرابة عن أفكار صاحبيه.


* العنوان مقتبس من قاسم حداد في مقدمة كتابه جوهرة المراصد
1- كانت شهادة المتوسطة تسمى الكفاءة وتتيح لصاحبها فرص توظيف أحيانًا

ثوبٌ أخلقه النوى*

“لم يكن وسيمًا بأي معنى متعارف عليه، ولم يكن منفرًا كذلك. فلم يبدُ أن تلك الكلمات تنطبق عليه لكن كان فيه شيء ما، شيء عتيق عركته السنوات، ليس في مظهره، إنما في عينيه
جسور مقاطعة ماديسون – 63 بتصرف

يمر بي عارض من عدم الاكتراث، يصيبني في كل عام مرة أو مرتين وأعرف ذلك حين تطول مقاطعتي للحلاقين يخرجني من ذلك الحال سفرُ عملٍ طارئ، أو مناسبة خاصة جدًا -وليس من هذه المناسبات بطبيعة الحال الأعياد واللقاءات العادية- تجعلني حالة اللاكتراث غير معني بالتجمل ولا أهتم بإعجاب أحد، ولولا عقوبات مخالفات الذوق العام لرأيت صورًا في وسائل التواصل لرجل يرتدي أردية عجيبة ويكون أنا ذلك الرجل، دخلت قبل شهرٍ إلى مقهى ضخم من تلك المقاهي الصاخبة التي يتمايل فيها الناس بمشية استعراضية تشبه مشية القطة¹، وطلبت قهوة بوصف معين بعد مناقشة متشعبة مع البائع عن مقدار حشوة الفستق في إحدى الحلويات، ثم اكتفيت بالقهوة حين رأيت حلواهم غير جديرة بالاهتمام، ورأيت في وجهه بعد انتهاء الطلب نظرة استهجان أعرف أن سببها شاربي الكث ولحيتي غير منتظمة الأبعاد وعقالي الذي انحدر بإتجاه اليمين خمس درجات وبإتجاه الخلف ثمان درجات، وشماغي الذي لا لا تعرف هل هو بمرازام رث أم سادة. ثم جلست على الطاولة وأخرجت كمبيوتري المحمول ووضعت سماعات ضخمة لتعزل الصوت، وكتاب ضخم على الطاولة، ورفعت راسي لأجد البائع لا يزال ينظر إليَّ متجاهلًا صف الناس الذين يقفون بانتظار طلباتهم فذكرتني نظراته أن أكمل مهمتي بنزع شماغي ووضعه بالعرض على الطاولة وتشمير أكمامي للعمل.
لست شجاعًا للاحتفاظ بهذا المزاج طويًلا، وجسارة اللاكتراث مرهونة بشعور التعب، والهلع، والخوف من انفلات الأمور، ووقوعي تحت الضغط. وحين تبدأ الخيوط تتجمع في يدي؛ تدب إليَّ غواية التجمل والمداراة مجددًا.
ذهبت إلى حلاقي البارحة بعد انقطاع خمسة أشهر، وسألني كالمعتاد عن آخر منطقة كنت فيها، وأين سأسافر هذه المرة، ثم أخبرني عن صيدلي تعرض لإطلاق نار في إحدى المناطق، وأغراني بالسفر إلى القاهرة وهو يكرر هذا الإغراء كل مرة؛ ليشبع رغبة التحليق إلى مصر ولو بإغراء إنسان آخر بذلك.
عند المغادرة رأيت وجهي في المرآة بشعور من ينظر في هاتف جديد بعد سنتين من إستخدام هاتف بشاشة مكسورة.


1- مشية القطة هي مشية العارضات على مسارح الازياء وسميت بهذا لأنها تشبه مشية القطط حين ينظر اليها من الامام
* – عنوان التدوينة مقتبس من شطر بيت أيوب الجهني “ولكن ثوب الصبر أخلقه النوى ولم يبق منه اليوم للشق راقع”