التصنيف: غير مصنف
أشياء مكثت في عيني
“مهما تضخم الفراغ الذي بداخلك؛ لا تملأه بالناس”
-khol0d – في تويتر بتصرف.
حين افتتحت التدوينة انتبهت أني أريد الكتابة عن عام انصرم بعد انقضاء ربع السنة الجديدة تقريبًا، يبني الناس تواريخهم بالسنوات وأبني تأريخ أيامي بالأماكن والمدن والمنازل.
يحرضني على هذه التدوينة هدوء ليلتي الأولى في منزل واسع الأرجاء خال من كل شيء عدا مرتبة سرير جديدة وفلتر هواء أصحبه أينما ذهبت أكافح به الروائح والغبار، ورجع الصدى في المكان. أنزل الليلة هنا تاركًا ورائي أياما وأحداُثا تشبه العام المنصرم.
في تنقلاتي الأخيرة كنت أسكن وحدات معدة ومفروشة مسبقًا، وأبني فيها أياما ممتزجة بأرواح من نزلوا المكان قبلي وأترك هالة مضطربة من المشاعر لمن سيحل بعدي، لكن هذه المرة أنزل بيتًا تعمدت غسله جيدًا قبل إدخال أغراضي وكأني أغسله من كل ذكرى حلت فيه قبلي.
يلح علي عدد من أصدقائي أن أكتب عن حائل بعدما قضيت عامًا كاملًا فيها، وكلما هممت بالكتابة أصابتني حبسة هائلة تشبه العي، أحاول القبض على ما بنفسي فلا أجد إلا ضبابًا، لا يقبض بالكف، لكنك تجد برودته في صدرك، جئت حائل أحمل جمرة هم تشتعل بداخلي، أتحرك مثقًلا إليها، ونفسي كحجارة مرصوفة بلا ملاط، كلما خطوت خطوة اهتزت مقعقة ومائلة، أخشى أن ينفلت منها حجرٌ ثم تتبعه بقية نفسي إلى القاع.
ذهبت مجموعة من الهزائم في كل صوب وأول هزائمي فقدان ذاتي، كنت أتساءل من أنا؟ وإن لم يظهر هذا السؤال بهذه الفجاجة لكن أدرك أصدقائي المقربون أن بوصلتي تدور إلى غير وجهة وأن المسالك تعددت فلا أعلم إلى أي طريق أسلك والدروب التي أريد شقها تحمل معها الخسائر. أدركوا أني أسأل سؤال الحائر وأقلقهم ذلك لأنه يصدر ممن اعتاد تقديم الإجابات لا الأسئلة. كنت جسورًا جسارة من يستعجل المصائب، يحيط بي القلق، وأتشبث برباطة جأش تقف في وجه الهلع ولأعزز ذلك كتبت منشورًا تبشيريًا أطمئن فيه الناس وما أردت غير طمأنة نفسي لأقيم الحجة عليها فلا أملك إلا التماسك حفظًا لماء الوجه، ثم كان ما كان ووقع ما وقع. وفتح لي درب حياة جديد لم أحسب أني ما زلت أستطيعه، وكانت لي في حائل أيام جمال وسرور افتتحتها ببرد يناير وغادرتها في موسم الشتاء بدفء محبة الكرام.
لم أستطع الكتابة منذ ذلك الوقت عن حائل وأنا الذي احتفظ في مذكراتي بالكثير الطويل عن المدن وحين أتأمل في ذلك أجد أني في كل بلد نزلته، أجعل لنفسي ذكريات أحملها معي أما في حائل فقد كسبت أهلا وإخوانا تركتهم ورائي، جئت حجارة مائلة تتقعقع وعدت بنفس ثابتة وخطوة مستقيمة وعقال مائل.
إصلاحات في الطريق!

“يأتون من بعيد والعديد منهم من أصحاب العيون البنية، بعضهم يخلف لون عينيه وراءه.. ويبحر بعيدًا، يعود إلى وطنه أو يغرق.”
أعود للتدوين مرة أخرى، مر بي شهران حافلان كنت فيهما أركض بلا توقف، هروبًا مرة ، وللحاق بما لا يلحق مرات أخرى، وانتهى بي هذا الركض أخيرًا إلى الحجاز!
انتقل عملي إلى إحدى المدن الصغيرة قرب مكة ليست قريبة منها، لكن مع بعض الجهد يمكن للإنسان أن يتردد بسيارته يوميًا إليها، ووقعت في حيرة الأختيار هل أسكن في هذا المركز الصغير وأجرب بعض الهدوء، أم أنفق ساعات كل يوم للظفر بالمقام في مكة، معادلة تستحق التأمل. وانتهيت إلى قرار تجربة أسبوع أسكنه بها ثم إن تحملت مشقة الطريق الطويل أقرر بعد ذلك.
حين دخلت وصلت حدود الحرم أغلقت تطبيق خرائط قوقل فأنا هنا خبير بطرقها، صحيح أن بعضها أغلق لكن في طرق هذه البلد طبع إذا عرفته ستعرف أين يشق أهلها مسالكهم المؤقتة، وهبت علي روح لم أعد أجدها في غير هذه المنطقة، الطرق الرئيسية الضيقة، والمارة الذين يقطعون الشوارع الكبيرة أمام المركبات، معلنين أن الأولوية هنا للقدم لا للعجلة، وأشياء أخرى لا يمكن وصفها بالقول.
نزلت في فندق حجزته عبر الانترنت بسعر جيد، ومثل طفلٍ مدهوش وقفت على نافذة الفندق طويلًا أتأمل الشارع الممتد أسفل مني وابتسم.
أثناء استعدادي للذهاب إلى الحرم أخرجت هاتفي لأطلب أوبر لكني خجلت كيف لكداد سابق في مكة أن يطلب أوبر للذهاب إلى الحرم، قطعت الشارع ووقفت أمام البيك وقلت لأقرب سيارة توقفت “الحرم لو سمحت”
في الليل اتجهت ناحية جامعة العزيزية لأزور مكتبة الأسدية، ولأن الشارع مزحوم بالسيارات التففت عند مطعم حراء ووقفت في الشارع الخلفي ثم نزلت على أقدامي ومررت أثناء مشيي على مكتبات تحمل أسماء حديثة ووجوه باعة مألوفة، وضع بعضهم ملصقًا ليخبر من يحن للأشياء القديمة مثلي أن الأسماء فقط التي تغيرت.
في إحدى المكتبات رأيت شاباً في أول العشرين يتفحص الكتب وعلى وجهه ابتسامة ساذجة كأنها ابتسامتي يومًا ما. دخلت الأسدية متخفيا خلف كمامة لا تبدو منها سوى عيني، وتصفحت الكتب الحديثة، وفاجأني عبدالرحمن البائع فيها حين سلم علي وقال لي كيف حالك يا فلان، لم أتوقع حقا أن يعرفني من خلف الكمامة والسنوات، اشتريت كتاب رضا زيدان (أزمة الفلسفة الأخلاقية) ثم خرجت من الأسدية والتففت يمينًا إلى (بيتزا الأصدقاء) أو (أميغوز) وفاء لصديقي أحمد الذي يحبها كثيرًا طلبت الطلب المعتاد ولكني أجد لذة كلذتها حين كنت طالبًا.
خرجت من المطعم وركبت سيارتي عازمٌ أن لا أسكن مكة وأن أستقر في المدينة الصغيرة حيث عملي؛ أفر من نفسي القديمة التي لقيتها هنا التي تبتسم بطريقة لا تعجبني وتقرأ كتبًا مختلفة، وتأكل البيتزا بفلفل حار وأنا لا آكله. أفر منها وأنا اسأل كم ذهب مني مع تلك الابتسامة الساذجة؟
أيام وكتب لـ أحمد الحقيل

كتبت عن رواية أيام وكتب في التلقرام، ولكني شعرت بالحاجة لمزيد كتابة عنها؛ فعدت إلى فصول منه ودونت ملاحظات عدة، ثم صرفت النظر عن الفكرة؛ لأن هذا النوع من الكتابة المسهبة الشارحة التي تُعد (نقدًا) ليست من اختصاصي، ولأن القارئ يستحق مساحته في القراءة – على وجه الخصوص في الأدب -وهو خالٍ من حصره في نظرة تأويلية واحدة، أو سلبه لذة التفكير بالمقروء. ولما أجده في نفسي من نفور عن هذا النوع المبالغ في التوضيح وكأن القارئ بليد ذهن لا تكفيه اللمحة العابرة للفهم، والكتابات النقدية الحالية في معظمها، كتبت لتكون دليلًا على فهم الباحث، لا لتنشر دليلًا إرشاديًا للقارئ الغبي.
على كل حال كتب بعضهم عن لغة الرواية، وطريقة الكتابة، والنواحي الفنية الأخرى فيها، وهي جوانب جديرة بالكتابة لكن هناك نقطة مميزة في جوهر العمل، شعرت بحاجة لوضع الضوء عليها.(1)
المميز في الرواية توصيفها لحالة ملموسة في مجتمعنا بالذات، حالة البقاء معلقًا بين وعي وأفكار فقدت جاذبيتها، أو صارت مع التغيرات المتسارعة أفكارًا فائضة، مسلية، وعديمة القيمة، وبين زمن جديد هو زمنه عمرًا ومعيشة، لكنه يحاول الركض للحاق بما يجري فيه. حالة المثقف الذي يستخدم في تفسيره ومخاطبته لغة وطرقًا صارت مضحكة وتبعث على الشفقة، مع محاولته أن لا يتشبث بها وأن يبدو ابن وقته متخليًا عن الكثير من الأفكار واللغة والسلوك، لكن بالنهاية يعجز عن ذلك ويفشل في أن يفهمه الآخرون حتى، فيجد نفسه يعيش داخل الوقت وخارجه، داخله مسلوبَ التحكم راميًا من سفينته كل الثقل القديم،وخارج الوقت في كهف معزول بأفكاره واهتماماته ولغته، الكهف الذي يتضخم تضخما إلى الداخل ويعجز أن يكون لهذا التضخم أي وجود يحقق له مكانة في وقته، الكهف الذي صارت مكتبته بكل مافيها رمزًا له.
أعود أخرى للإشادة بالعمل وأنقل ما قلته بالتلقرام عنها:
“من أجمل الأعمال السردية العربية التي قرأتها، أرادها رواية وكانت رواية وأكثر، تجاوزت أن تكون عملًا جميلًا بالنسبة لي إلى أن تصبح ضمن الخيارات التي سأقترحها حين يُطلب مني التوصية بكتاب للقراءة ، العنوان يوهم أنها إضافة جديدة مملة لحكايا المثقفين عن الكتب، لكن المكتوب شيء آخر.”
إضافة غير مهمة: في ظهيرة سبت أكتب هذه التدوينة على غير عادتي في الكتابة ليلًا وبعد نشر التدوينة انتبهت إلى التشابه مع بطل الرواية في طريقة قضاء نهارات الإجازة
1- لا أعلم إن كان الكاتب نفسه سيتوافق مع ما أقوله أم لا لكني هنا سآخذ بنظرية موت المؤلف، مدفوعًا بصنيع الكاتب نفسه حين جرد نفسه من العمل واقتبس من نفسه في أحد الفصول ومستشهدًا بنفسه .. حيث كتب في أحد الفصول ” يقول أحمد الحقيل …” أو عبارة مشابهة وأنا أكتب التدوينة والعمل بعيد عن يدي حاليًا.
يوم أحد عادي.
غيرت ترتيب جدولي وتركت شاهي المساء وعدت إلى عملي؛ بعد قيلولة غير معتادة، شعرت بنشاط – غير مألوف أيضًا – فاستثمرته بإنجاز بعض الأعمال المتراكمة في يوم الأحد الثقيل. لكن لم أنجز شيئا، اكتفيت بترتيب طاولة مكتبي وغسلت الأكواب من آثار قهوة اليوم، ومددت قدمي أتامل الجدار المقابل، في النهاية، وإن اختلف المكان، إلا أن العادة تفوقت، صنعت كوب شاي ومارست أجمل نشاطات اليوم –فهاوة المغرب- أثناء خروجي من مخرج الطوارئ المفضي إلى باحة المبنى الأمامية، قفزتُ فزعًا لرؤية قط أسود يستغل الفرجة ويمر سريعًا داخل المبنى. في أوقات سابقة، كنت سأتركه وأمضي في طريقي، لكن حضرني شعور المسؤولية الذي يصيبك مع تراكم الأيام، ثبتت الباب ورحت ألاحق القط حتى خرج، وكانت المهمة أيسر مما ظننت. أغلقت الباب خلفي ومشيت ممتعضًا؛ لأني مصاب بحساسية من جلود وفرو الحيوانات الحية ولكراهية تجاه القطط، كراهية غير مسببة تشبه المبادئ.
بعد خطوات، أرعبني مرة أخرى حين مر بين أقدامي؛ لم أتصور أن يلاحقني، ليس هو من القطط حديثة الولادة التي تلاحق الناس في الشارع؛ قبل أن تتعلم الفرار منهم فيما بعد، ولم يظهر عليه شكل قطط المنازل المدللة، خمنت أنه يلتصق بي لشدة البرد ويبحث عن الدفء بملاحقتي، أو أنه عالق في فناء المبنى وقرر التضحية وملاحقتي عن الاحتباس الطويل هنا. بعد خروجنا، شاهدته ينطلق مسرعًا نحو قطعة ورقية ملقاة ويتشمشمها تشمشم الجائع، فعلمت أي بلاء نزل به ورثيت له : وحيد، غريب، وجائع في جو بارد. وتذكرت على الفور بطل رواية الجوع لكنوت هامسون. بدأت القطة – وقد انتبهت تحت الضوء إلى كونها أنثى – في ملاحقتي وكأنها مدربة على مرافقة الآخرين، مشت أمامي من الجهة اليسرى، ثم بعد قليل أشرت إليها بيدي لتنعطف باتجاه التقاطع الأيمن، ثم بعد خمسين مترًا خرجنا إلى الشارع العام، وقلت لها : “اطلعي الرصيف لا تصدمك السيارات” وكأنها موقنة أن الكلام موجه إليها استجابت وانتقلت إلى الرصيف ومشت بجواري، ولأني منزعج من قربها أشرت إليها مثلما يشير رجل مرور ضجر للسيارات أن تتقدم، وفعلا تقدمت باستجابة عجيبة، عزمتُ الآن على السير إلى أحد مطاعم الرز البخاري المجاورة، وفي الطريق حاولت أن أتذكر هل كان لبطل رواية الجوع اسم أم تركه المؤلف مبهما؟!، ولم أستطع التذكر، إنها إحدى الشخصيات التي لا تنساها لكنك لا تتذكر اسمها وإنما تتذكر تجربته ، على خلاف مثلا دون كيخوته الذي يعرفه كثير من القراء ولم يقرأوا روايته أو بطل رواية البؤساء جان فالجان …. قاطعت القطة تفكيري بدخولها إلى أول محل مررنا به، وبقيت واقفا انتظر طرد الموظف لها وخروجها، لم يطل دخولها وعادت سريعا لنمضي في طريقنا، وحين اقتربنا من المحل الثاني همت بالدخول فقلت لها : “لا تدخلين”، ونظرت إلي طويلًا وكانت المرة الأولى التي تلتقي عيني بعينها فحدقت إليها وحركت رأسي وقلت “يلا!“ثم مشيت ولحقت بي. بعد معانة كثرة التوقف، وصلنا مطعم للرز والدجاج، دخلتُ وقلت للموظف:” انتبه لا تدخل القطة”، ثم طلبت لها نصف دجاجة مشوية وحين همت بالدخول، صاح بها العامل بعنف فقلت ” هيييه بشويش عليها لا تخوفها ” ونتيجة لهذ الشفقة مني؛ تهاون معها، فدخلت المطعم، وأحدثت جلبة كبيرة. تجولتْ بين الطاولات ودخلتْ بين أقدام الناس، والعامل مستمر يلاحقها، ثم انتقلت من صالة الطعام إلى خلف ثلاجات الماء والمشروبات الغازية وحينها استلمت نصف الحبة في صحن، سارع العمال في تجهيزه للتخلص مني ومن المصيبة التي حلت عند دخولي .
أخذتُ الصحن وذهبت إليها، طرقت بإبهامي وقلت لها : “تعالي” وبكل وداعة انطلقت معي خارج المطعم، وضعت لها قطعة الدجاج وبقيت انتظرها لتأكل، هوت برأسها تتشمشم الدجاجة وكأنها خائبة الأمل في الوجبة المقدمة إليها، ثم بدأت تأكل قليلًا وباستياء، مضيتُ وتركتها. بعد خمسين مترًا، التفتتُّ إليها لأتاكد، فرأيتها ما تزال مدنية رأسها من الصحن تأكل ولم تعاود الالتفات نحوي. ومضيت وحيدًا غريبًا جائعًا في جوٍ بارد.
يكمن الحب في إنقاذ الآخر من الموت
لماذا فعلت أمي هذا؟ لن أعرف السبب أبدا. فالآباء حين يرحلون، يورثوننا ألغازًا أكثر من الثروات.
خوان خوسيه مياس
مع تكرر التجربة صار لدي إحساس بالهبوط وتقدير للثانية التي تلمس فيها عجلة الطائرة أرض المطار، يستمتع الإنسان بهذا الإحساس التوافقي مع الحياة من حوله، أن يتناغم مع حركة الكون، فيلتقط إناءً كاد يقع أو يصد شيئا رمي بإتجاهه، أو كحالتي أشد عضلاتي في اللحظة التي تلامس فيها عجلات الطائرة الأرض؛ فلا يختل توازني ولا يتحرك كتابي وأرى بطرف عيني الناس وهم يتبعثرون وأشعر بالزهو، هذه الفكرة التناغمية هي ما جعلت الإنسان يلعب البيسبول والتنس ويقنص الطرائد على ظهور الخيل، ليستمتع بقدرة التحكم بأصعب الأشياء تحركًا. لذة التوازن هي جوهر الألعاب التي اخترعها الإنسان.
البارحة وقبل ثوانٍ من ملامسة عجلات الطائرة للأرض ارتفعت الطائرة بشكل حاد ومفاجئ إلى السماء حتى ارتطمنا جميعًا إلى الخلف وأربكني الأمر مرتين، الارتباك الأول لعضلاتي التي لم تتوقع هذه الحركة والأخرى ارتباك الخوف الطاغي على الجميع، وانتقل الذعر من الكبار إلى الصغار فعم سكوت مطبق إلا من صوت محرك الطائرة، وفي ثوان قليلة خطر لي أن هذه اللحظة غير المعتادة قد تكون هي الدقائق الأخيرة في الحياة.
بادرت وأخرجت هاتفي ونحن ما نزال قرب الأرض قبل أن تختفي التغطية وفكرت ماذا سأصنع هل يفترض بي أن أقول لأحد المقربين إلي أنني سأموت هههه، ماهي رسالتي الأخيرة للعالم؟ وهل أصلا العالم يحتاج مني رسالة أخيرة؟ ثم لنفترض أني طلبت السماح ثم لم أمت ياويح قلبي كيف سأبدو أمام من أرسل إليهم.
كل هذه الأفكار مرت بذهني خلال ثوان بين معاودة الإقلاع وانقطاع الشبكة وخطر لي أن أفضل حل هو جدولة رسالة في قناة التلقرام التي يعرفها كل المقربين مني ومباشرة كتبت رسالة وجيزة ذيلتها بالوقت واليوم وجدولتها بعد 7 ساعات. من الذي سينجو بعد 7 ساعات معلقا في الهواء. كتبت الرسالة أدناه وجدولتها.

ثم عدت إلى نفسي أفكر في ما سيأتي، لم أخش الموت، بل الغريب أني كنت منفتحًا على الفكرة جدًا وليس انفتاح متولد عن أفكار مضطربة أو رغبات انتحارية. لكن إذا حانت ساعتي فليس من لحظة أفضل من أن تكون هذه اللحظة. واقعًا تحت خطر محدق، وشاعرًا بدنو الأجل، أقبل على نفسي وأستعد بالتشهد والاستغفار للانتقال للعالم الآخر، وأدعو مخبتًا مستغفرًا عن خطاياي صغيرها وكبيرها. ثم أموت في حادث تراجيدي شاعري يتناسب مع لحظة الكفاح التي دخلت فيها إلى الحياة، ويختم حياتي التي قضيتها في الترحال بأن أموت محلقًا إلى السماء. ثم سأموت ذاهبًا إلى العمل في حادث يسمع به جميع البلد، وسيعلم عنه من تسبب في وضعي بمقر عملي البعيد؛ فيقضي حياته يتقلب على جمر التعاسة وإن كنت أعلم أن اللئام لا يملكون ضميرًا يحس.
لكني تراجعت عن الفكرة حين تذكرت أن نفس الطائرة يركب بها رئيسي الذي شاهدته يلوح لي حين ركبت الطائرة، كرهت أن أشارك ذات المصير معه ثم يلصق اسمي به أبد الدهر، تلك الرحلة التي مات فيها الزميلان فلان وفلان، وفقدت الرغبة وبدأت أتشبث بالحياة وأدعو الله أن ينجيني، نعم يهمني قبل الميتة أن أعرف من يشاركني فيها.
على كل حال بعد نصف ساعة أخرى في الجو هبطت طائرتنا بطريقة فظة سيئة وارتطمت بالمقعد الذي أمامي وعلى ما يبدو أن خوفي أفقدني غريزة التوازن عند السقوط.
هل الوعي لعنة؟
ترد هذه العبارة في سياق تهكمي على مبالغات بعض المنتسبين للثقافة، وترد في سياق حقيقي للتشكي من أثر المعرفة السوداوي على نفس المطلع والمتعلم. من يروي هذه العبارة مستنكرًا المشقة الناجمة عن العلم فهو قد يشير إلى سذاجة طفيفة في أمله أن يكون انكشاف الحقائق يحمل في طياته صورة وردية جميلة وهذا مناقض تمامًا لحقيقة المعرفة الشاقة. لكن الشكوى هذه من لعنة الوعي تكون حينًا نتيجة الفجوة بين العلم بالأشياء والعجز عن إحداث تغيير وفقًا لهذا العلم. (1) ويصبح الوعي في نظر الشخص حينها لعنة لأنه لم يتحول إلى أثر ملموس، كما لم يسلم من انكشاف الأشياء أمامه. وتتلبس كثير من المنتسبين للثقافة -وفقًا لاستعدادهم الطبعي والنفسي- حالة من السوداوية والتشكي من الوعي، وقد يتحول عدد منهم إلى الاستسلام تحت مبدأ حتمية الحياة والوجود وليس في الإمكان تغيير ما كان. لكن وإن عجز الإنسان عن تغيير شيء في واقعه فإن مهمة الوعي هي استبصار العارف بحقيقة الأشياء وتقليله من آثار الأمور السلبية على حياته وشخصيته، ومحاولته الدائمة في الحفاظ على أصالة نفسه وحياتها.
(1) – مثلً الوعي بآثار وسائل التواصل على العقل، وتوغلها في خصوصياتنا، وتحكم شركات التقنية، وعجز كثير من الناس عن الفكاك منها… وهذا مثال سطحي وهناك أمثلة أخرى لا يحتمل المنشور توسيع القول فيها
أناقة الظل
لاحظت أمه وهي تنظر إليه في الحضانة،؛ هزاله بجوار تؤامه الذي سبقه إلى الحياة. بعد شهرٍ قضاه في (وحدة ناقصي النمو). استيقظ الجميع ذات يومٍ ووجدوه بينهم، نظر إليه صغار العائلة ثوان ثم مضوا وتركوه؛ لقد استنفد شقيقه الذي غادر المستشفى باكرًا الحفاوة ودهشة الأطفال الجدد .
حين بلغ العاشرة وفي مغرب إحدى الليالي وضع أكياس البطاطس والخضار على الأرض وجلس يتابع على القناة العامة مسلسلا يعرض بين العشائين، ولم يعرف أحدٌ كيف انتقلت المهمة من والده إليه، فقط يتذكرون امتعاض والدته من تأخره في جلب مؤونة العشاء؛ الامتعاض الذي دام حتى غادر للدراسة خارج المدينة.
في آخر سنوات عمله رُفض ترشيحه لإدارة قسمه؛ لأن ملفه ممتلئ بالمهام التي تأخر في إنجازها، ورشح شاب أنيق ليستلم المنصب بدلا عنه، واستمر يقوم ببقية المهام الكبيرة الكثيرة التي لا يتذكر أحدٌ كيف أسندت إليه.
اعتذر إلى ابنته وهو يحتضر بعد طعنة تلقاها من مدمن هزيل، مسح وجهها الباكي وقال ” أسف، ظننت أن علي احتمال هذا أيضا“
نادي كتاب الجمعة
أؤمن أن المعرفة في جوهرها فعل تواصلي ذا صلة ترابطية اجتماعية، سواء أكان في تحصيله ابتداء عبر المحاورة أو الرواية والتدريس أو على صعيد التفهم والمذاكرة وأخيرا في صعيد إثمار المعرفة بتعميمها وتحويلها إلى أثر وسلوك. وأعظم آثار الفعل التواصلي المعرفية هو مناقشة الفكرة بأشكال مختلفة وآراء متعددة ومتباينة واستيضاح حقيقتها في نظر غيرك ومقارنة ذلك بالحقيقة التي تفهمها.
طوال سنين كانت فكرة تنظيم نادي من الأصدقاء لقراءة كتاب ومناقشته من الأفكار التي أتمناها وأرجو أن أحققها. وفي شهر رجب الماضي جمعتني مع بعض القراء حوارات في الكلوب هاوس اتفقنا بعدها أن نقرأ كتابا ثم نناقشه وإثر ذلك نشأ عندنا نادي صغير سميناه كتاب الجمعة وإن كانت هذه التسمية لا تدل على حقيقته لكننا أبقينا الاسم الأول حين كانت الفكرة أن نناقش كتابا كل جمعة. لم أتخيل أن تصل النتيجة إلى هذه المرحلة فبنهاية كتابنا الحالي نكون أنجزنا في النادي ثلاث دورات مدة كل دورة منها 3 أشهر قرأنا فيها 9 كتب على مدار 9 أشهر وهي كالتالي:
الدورة الأولى
- رواية الهدنة
- النسيان سيرة ذاتية
- عبادة المشاعر
الدورة الثانية
- رواية الباب
- الإنسان يبحث عن المعنى
- جريمة الولادة سيرة ذاتية
الدورة الثالثة
- رواية ستونر
- حيونة الإنسان
- عالم الأمس ستيفان زفايغ
الدورة الرابعة:
- أن تقرأ لوليتا في طهران
- بردة النبي الدين والسياسة في إيران
- اسم الوردة أمبرتو إيكو
وكتاب جانبي في فترة توقف شهر رمضان
- رواء مكة
كانت الفكرة أن تكون هذه القراءات قراءات جانبية بالإضافة إلى الكتب التي يلتزمون بها في خططهم الشخصية.
قرر بعض أفراد النادي استحداث خط قراءة جانبي أطول وأكثر تخصصًا وذلك بالبدء في قراءة مجموعة السيولة لزيجمونت باومان واستيعاب مشروعه الفكري فيها. ورغبة في توسيع أفق هذا النادي فقد اقترح بعض الأصحاب الإعلان عن النادي وفتح باب الانضمام إليه ممن يحب من القراء سواء في خطه الأساسي أو في الخط الفرعي الجانبي المتمثل في قراءة سلسلة السيولة.
فعلى من أراد الانضمام ومشاركتنا مراسلتي على التلقرام عبر اليوزر @warraqq
او الضغط على الرابط مباشرة: https://t.me/warraqq
ويمكنكم تصفح صفحة المبادرة من خلال حساباتها على مواقع التواصل التالي:
https://twitter.com/bookoffriday
قناة التلقرام
حساب الانستقرام:
الكتابة .. جمعُ ما انفلت.
ربما كانت الكتابة لعبة في عصور أخرى .. لكنها اليوم مهمة جسيمة الغرض منها تحريض الإنسان على بذل قصارى جهوده؛ لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه. - كازانتزاكيس
تفاوتت ردود الذين يقرأون المدونة بعد تتابع تدويناتي لكن النصيب الأكبر كان للاستفسارت عن الكتابة، وكيفيتها، وما الفارق بين الواقعي وغيره، وما هي مساحات الصراحة التي يفترض بالكاتب السير فيها، وكيف يحافظ الكاتب على لياقة قلمه، ومتى ينشر ومتى لا. استطعت مقاومة الفخ ولم أجب عن كل هذا. إحدى السلوكيات الخادعة التي يقع فيها كثير من المبتدئين خلطهم بين امتلاك تجربة صغيرة، وتنصيب نفسه مدربا ومعلما؛ فتسمعه بعد عدد من المحاولات المتواضعة يلقي الى الجمهور نصائحا مثل “اجتهد واشتغل على نفسك …” ويردد قواعد عامة ومبتذلة.
أكثر ردود الأفعال طرافة تلك التي صنفت ما أكتبه ضمن (الدورات الإرشادية) أو (الطرق العملية للحياة)، وجاءت معظمها على إثر تدوينة الانقطاع عن وسائل التواصل. إحدى القارئات تعودت التقييم اليومي للمقالات، على طريقة الذي كان يقيم الطعام بأسلوب (الخبزة اعطيها ستة من عشرة) وضعت سطرا من التدوينة وكتبت “غيرالعنوان وهذا السطر لم أجد شيئا مثيرا للاهتمام ولا تجربة كاملة واضحة لكنها تدوينة جيدة وأسلوب كتابتها سلس” بنفس طريقة تقييمها وصلتني عشرات الرسائل من متعطشين لإطلاعهم على السر الأكبر والكشف الغامض الذي توصلت إليه؛ وأخرى من راغبين في الانقطاع عن وسائل التواصل ويطلبون الدواء والإرشاد، وقد أرعبني ذلك.
ردود الفعل هذه دفعتني للكتابة عن طريقتي في التدوين وإن كنت أخجل حتى من التفكير في ذلك، من أنا حتى أتبجح بطريقتي؟ لكن عزائي أن هذه ليست مدونتي الأولى وأني كتبت في مدونات اندثرت ما يجعلها (شبه تجربة)، بالإضافة إلى المنشورات الطوال المكتوبة في حسابي القديم على السناب شات.
مازلت أكرر أن التدوين هو الشكل الأثبت والأصلب والأجدر في كل الأشكال الكتابية عبر شبكة الإنترنت لأن الوسائط الحاملة للمحتوى الأدبي والمعرفي تلقي بتأثيرها عليه ولو لم يشعر الكاتب والمتلقي.
بعد كل هذا: ما أكتبه هنا سردٌ تشكل اليوميات مادته الأساسية متداخلة مع الكتب ومراجعاتها وحكايا من الماضي والحاضر في شكل سرد ذات مع جزء كبير من المتخيل. بمعنى آخر: هي خيالات، مع أحداث من واقعي وواقع غيري، أنطلق منها لأكتب في أشكال مختلفة، لا اتخذ طريقة واحدة وأعامل ما أكتبه معاملة النص الواحد الممتد، أمزج فيه جدًا بهزل، وتأملًا بتجربة، ملتزما في كل هذا إيراده بصدق تام؛ متوقفًا عن مراقبة القارئ ومحترمًا له على حد السواء – لأن تجربة القراءة علمتني أن أوفر الكتاب حظا برضى القارئ؛ أقلهم اهتماما بمجاملته والكتابة على هواه وهذه مفارقة – أحاول أن يكون كل ما سبق مكتوبا بخفة تشبه المشافهة لأن أرق الأدب ما مس قلب قارئه وكأنه مخصوص به وملقي إليه دونا عن غيره.
يجد كثير من الناس دافعه الإبداعي في أزمات الحياة؛ وتصبح الكتابة عنده استشفاء يَعبرُ به المناطق الداكنة. بالنسبة لي الكتابة وعامة الأفعال الأدبية تنضوي تحت قائمة المباهج؛ ولا تنفسح نفسي للقول ولا للنظر المعرفي كانفساحها في اللحظات الهادئة الهانئة. في الأوقات الصعبة أتوقف عن التدوين ليس عجزا، لكن تزعجني كتابة الذات الكاشفة عن خبايا أود سترها؛ والنفس ليست مقدسة عن الأوصاف البشرية لكن هذا الانكشاف الشافّ عن الخلال الرديئة هدر في عمر القائل والقارئ.
على أن الإنسان مولع بالاطلاع على قصص الآخرين مدفوعا بالفضول، والرغبة بقراءة ما يشبهه في حياة الناس. وحين يقع على ذلك يحار في التعبير عنه إلا بالمقولة المبتذلة “هذه الرواية تغوص في النفس البشرية” وعلى كثرة تردادها إلا أنه لا شيء يقوم مقامها لوصف فضول الإنسان تجاه الإنسان وإن كان لي حق تغيير زاوية الرؤية فإن الغوص في النفس البشرية ليست وظيفة الكاتب بل رغبة وشغف القارئ بالاطلاع عميقا في نفوس بني جلدته.
(خشية القولبة ) هي ما يجعلني أفر عن الكتابة في غير وقت البهجة؛ إذ إن الكتابة السوداوية بقدر ما تجذب من يحب هذا اللون الكتابي بقدر ما تنسحب على قلم الشخص حتى يستأسر لها، ولا أحب ذلك لنفسي؛ هروبًا من الاستكانة لصورة واحدة يعيش المرء في ظلالها ولا يغادرها. كما أن الكتابة تحت ظروف إنفعالية تُخرج آراء حادة من الإنسان قد لا يعنيها تماما بالضرورة.
في معرض الكتاب الماضي كانت تعليقات الأصدقاء الذين التقيتهم عن ما أدونه بشكل غير متوقع بالنسبة لي وهو ما أصابني بالرهبة والتوقف عن التدوين لكني دفعتها بتذكير نفسي بما التزمته من ترك مراقبة القارئ.
ردود الفعل غير المتوقعة أكدت ما قاله أحد الأصدقاء حين قررت التدوين المُستمر وكان الهاجس: لمن أدون وأنا لا أملك أي نشاط تفاعلي في وسائل التواصل فقال لي “أكتب وسيجد المنشور الجيد طريقه إلى الآخرين”
أخيرًا: لست في هذه التدوينات في مقام أستاذية ولا أعطي توصيات جاهزة على شاكلة “كيف تحصلين على بشرة نقية في أسبوعين” أو” تعلم أصول الاستثمار في ربع ساعة” وكل ما أدونه هنا هو تجربة بشرية يتلصص عليها القارئ مدفوعا بالفضول والضحك أكتبها مشروطة بظرفها الإنساني الذي يجعلها قاصرة جدا على صاحبها ولا تحتمل التمدد لأشخاص آخرين إلا بما يختارونه لأنفسهم. إن رأيت في التدوينات ما يستحق سلوك الطريق إلى الآخرين فشاركها إلى دروبهم.
على الهامش:
- استخدم التلقرام لنشر روابط التدوينات وأكتب (أحيانا) منشوراتٍ قصيرة وأقتبس وأعلق تعليقات لا تحتمل الإفراد بالنشر في المدونة. وإن أحببت متابعة القناة فهذا رابطها : https://t.me/blogswarraq
- عادتي أن أنشر الفكرة كاملة حالما ترد في بالي ثم أعود لتحرير النص وتدقيقه وتعديل أسلوبه وصياغته لأني كسول لو تركت النص حتى أدققه فقد لا أنشره إطلاقا.
- المدونة مرتبطة بحسابي في تويتر لكن لا أستخدم التطبيق قد يفوتني التفاعل مع بعض التعليقات في تويتر بلا تقصد.