الكتابة .. جمعُ ما انفلت.

ربما كانت الكتابة لعبة في عصور أخرى .. لكنها اليوم مهمة جسيمة الغرض منها تحريض الإنسان على بذل قصارى جهوده؛ لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه.
- كازانتزاكيس

تفاوتت ردود الذين يقرأون المدونة بعد تتابع تدويناتي لكن النصيب الأكبر كان للاستفسارت عن الكتابة، وكيفيتها، وما الفارق بين الواقعي وغيره، وما هي مساحات الصراحة التي يفترض بالكاتب السير فيها، وكيف يحافظ الكاتب على لياقة قلمه، ومتى ينشر ومتى لا. استطعت مقاومة الفخ ولم أجب عن كل هذا. إحدى السلوكيات الخادعة التي يقع فيها كثير من المبتدئين خلطهم بين امتلاك تجربة صغيرة، وتنصيب نفسه مدربا ومعلما؛ فتسمعه بعد عدد من المحاولات المتواضعة يلقي الى الجمهور نصائحا مثل “اجتهد واشتغل على نفسك …” ويردد قواعد عامة ومبتذلة.
أكثر ردود الأفعال طرافة تلك التي صنفت ما أكتبه ضمن (الدورات الإرشادية) أو (الطرق العملية للحياة)، وجاءت معظمها على إثر تدوينة الانقطاع عن وسائل التواصل. إحدى القارئات تعودت التقييم اليومي للمقالات، على طريقة الذي كان يقيم الطعام بأسلوب (الخبزة اعطيها ستة من عشرة) وضعت سطرا من التدوينة وكتبت “غيرالعنوان وهذا السطر لم أجد شيئا مثيرا للاهتمام ولا تجربة كاملة واضحة لكنها تدوينة جيدة وأسلوب كتابتها سلس” بنفس طريقة تقييمها وصلتني عشرات الرسائل من متعطشين لإطلاعهم على السر الأكبر والكشف الغامض الذي توصلت إليه؛ وأخرى من راغبين في الانقطاع عن وسائل التواصل ويطلبون الدواء والإرشاد، وقد أرعبني ذلك.
ردود الفعل هذه دفعتني للكتابة عن طريقتي في التدوين وإن كنت أخجل حتى من التفكير في ذلك، من أنا حتى أتبجح بطريقتي؟ لكن عزائي أن هذه ليست مدونتي الأولى وأني كتبت في مدونات اندثرت ما يجعلها (شبه تجربة)، بالإضافة إلى المنشورات الطوال المكتوبة في حسابي القديم على السناب شات.
مازلت أكرر أن التدوين هو الشكل الأثبت والأصلب والأجدر في كل الأشكال الكتابية عبر شبكة الإنترنت لأن الوسائط الحاملة للمحتوى الأدبي والمعرفي تلقي بتأثيرها عليه ولو لم يشعر الكاتب والمتلقي.
بعد كل هذا: ما أكتبه هنا سردٌ تشكل اليوميات مادته الأساسية متداخلة مع الكتب ومراجعاتها وحكايا من الماضي والحاضر في شكل سرد ذات مع جزء كبير من المتخيل. بمعنى آخر: هي خيالات، مع أحداث من واقعي وواقع غيري، أنطلق منها لأكتب في أشكال مختلفة، لا اتخذ طريقة واحدة وأعامل ما أكتبه معاملة النص الواحد الممتد، أمزج فيه جدًا بهزل، وتأملًا بتجربة، ملتزما في كل هذا إيراده بصدق تام؛ متوقفًا عن مراقبة القارئ ومحترمًا له على حد السواء – لأن تجربة القراءة علمتني أن أوفر الكتاب حظا برضى القارئ؛ أقلهم اهتماما بمجاملته والكتابة على هواه وهذه مفارقة – أحاول أن يكون كل ما سبق مكتوبا بخفة تشبه المشافهة لأن أرق الأدب ما مس قلب قارئه وكأنه مخصوص به وملقي إليه دونا عن غيره.
يجد كثير من الناس دافعه الإبداعي في أزمات الحياة؛ وتصبح الكتابة عنده استشفاء يَعبرُ به المناطق الداكنة. بالنسبة لي الكتابة وعامة الأفعال الأدبية تنضوي تحت قائمة المباهج؛ ولا تنفسح نفسي للقول ولا للنظر المعرفي كانفساحها في اللحظات الهادئة الهانئة. في الأوقات الصعبة أتوقف عن التدوين ليس عجزا، لكن تزعجني كتابة الذات الكاشفة عن خبايا أود سترها؛ والنفس ليست مقدسة عن الأوصاف البشرية لكن هذا الانكشاف الشافّ عن الخلال الرديئة هدر في عمر القائل والقارئ.
على أن الإنسان مولع بالاطلاع على قصص الآخرين مدفوعا بالفضول، والرغبة بقراءة ما يشبهه في حياة الناس. وحين يقع على ذلك يحار في التعبير عنه إلا بالمقولة المبتذلة “هذه الرواية تغوص في النفس البشرية” وعلى كثرة تردادها إلا أنه لا شيء يقوم مقامها لوصف فضول الإنسان تجاه الإنسان وإن كان لي حق تغيير زاوية الرؤية فإن الغوص في النفس البشرية ليست وظيفة الكاتب بل رغبة وشغف القارئ بالاطلاع عميقا في نفوس بني جلدته.
(خشية القولبة ) هي ما يجعلني أفر عن الكتابة في غير وقت البهجة؛ إذ إن الكتابة السوداوية بقدر ما تجذب من يحب هذا اللون الكتابي بقدر ما تنسحب على قلم الشخص حتى يستأسر لها، ولا أحب ذلك لنفسي؛ هروبًا من الاستكانة لصورة واحدة يعيش المرء في ظلالها ولا يغادرها. كما أن الكتابة تحت ظروف إنفعالية تُخرج آراء حادة من الإنسان قد لا يعنيها تماما بالضرورة.
في معرض الكتاب الماضي كانت تعليقات الأصدقاء الذين التقيتهم عن ما أدونه بشكل غير متوقع بالنسبة لي وهو ما أصابني بالرهبة والتوقف عن التدوين لكني دفعتها بتذكير نفسي بما التزمته من ترك مراقبة القارئ.
ردود الفعل غير المتوقعة أكدت ما قاله أحد الأصدقاء حين قررت التدوين المُستمر وكان الهاجس: لمن أدون وأنا لا أملك أي نشاط تفاعلي في وسائل التواصل فقال لي “أكتب وسيجد المنشور الجيد طريقه إلى الآخرين”
أخيرًا: لست في هذه التدوينات في مقام أستاذية ولا أعطي توصيات جاهزة على شاكلة “كيف تحصلين على بشرة نقية في أسبوعين” أو” تعلم أصول الاستثمار في ربع ساعة” وكل ما أدونه هنا هو تجربة بشرية يتلصص عليها القارئ مدفوعا بالفضول والضحك أكتبها مشروطة بظرفها الإنساني الذي يجعلها قاصرة جدا على صاحبها ولا تحتمل التمدد لأشخاص آخرين إلا بما يختارونه لأنفسهم. إن رأيت في التدوينات ما يستحق سلوك الطريق إلى الآخرين فشاركها إلى دروبهم.


على الهامش:

  • استخدم التلقرام لنشر روابط التدوينات وأكتب (أحيانا) منشوراتٍ قصيرة وأقتبس وأعلق تعليقات لا تحتمل الإفراد بالنشر في المدونة. وإن أحببت متابعة القناة فهذا رابطها : https://t.me/blogswarraq
  • عادتي أن أنشر الفكرة كاملة حالما ترد في بالي ثم أعود لتحرير النص وتدقيقه وتعديل أسلوبه وصياغته لأني كسول لو تركت النص حتى أدققه فقد لا أنشره إطلاقا.
  • المدونة مرتبطة بحسابي في تويتر لكن لا أستخدم التطبيق قد يفوتني التفاعل مع بعض التعليقات في تويتر بلا تقصد.

رجلٌ تشبهه الحقائب.

التقيت أحد رفاقي المشاغبين في مطار الرياض، جمعنا انتظار الطائرات وكوب قهوة وتعب المشي لأيام في زحام معرض الكتاب، وحزن الإياب الغامض. ولكي يستفز لساني المجهد؛ أشار بخبث إلى حقيبتي وقال “شنطتك تشبهك”. أخرجت له هاتفي وأريته صورة أخذتها قبل ساعات للحقيبة، مدفوعا لالتقاطها بذات الفكرة.

أعتقد أن الإنسان مع الوقت تشبهه أشياؤه أو هو يشبهها، أتذكر عمي الذي أخفى عنا عطره الساحر سنين طويلة، وحين وجدنا القارورة بعد موته واشتريناه لم تكن له رائحة عمي.

عجلات حقيبتي تعرج لكثرة ما قطعت من طرق طويلة، أسحبها بروية حينا وأدفعها راكضا في معظم الوقت، ولفرط ما ركضت بها أشعر أحيانًا أنها تسحبني وتصرخ “بسرعة لا تقفل البوابة علينا” من خلال الخدوش على جنباتها أُعدد الأرصفة التي سقطت عليها، لأنها لم تؤخذ بجدية كافية، أو لم يهتم أحدٌ لسقوطها، أو لفرط الثقة أنها قوية لا تنكسر.
حشوتها مرة كتبًا كثيرة في رحلة عودة من خارج السعودية وحين أوقفني موظف الجمارك سألني كل اللي فيها كتب؟ مافيه أغراض ثانية! وهكذا يقول عني بعض الناس أحيانًا.


على جنباتها عدد لا يحصى من ملصقات الطيران تحمل اسماء مطارات شتى لا تدل على مكان ولا تشير إلى وجهه. في رحلة قبل سنوات وبسبب تأخر عبوري من الجوازات، فرغ سير الحقائب ولم يبق عليه غير حقيبتي تغدو وتعود وحيدة بلا منتظر، لذا سحبها موظفوا المطار. وحين راجعت قسم الحقائب المفقودة أخبرت الموظف أنها خضراء فسفورية وزودته برقم الملصق عليها وأريته صورتها، عاد إلي بعد دقائق ودفعها بقوة باتجاهي وقال لولا لونها المميز لما استطعت أن أعرفها، عليها ألف ملصق .

إن صح تشبيه صاحبي المشاغب فهذا ما تشبهني به، أحمل ألف وجهة وطريق، ولذا أخشى أن أضيع يومًا فلا يستطيع أحد العثور علي.

تعرفون أحد يشتري غنم؟

اتصل بي أبي اليوم يسأل عن أحوالي ثم قال لي :
إذا نزلت الأسبوع القادم شف لي أحد يشتري مني الغنم، طفرتنا، أكلها، وأتعبني الاهتمام بها، والمردود من وراها ما يسوى كل هذا. هذه السنة العاشرة على التوالي منذ أن بدأ والدي يظهر رغبة في بيع “الحلال” ويمتعض من الجهد الذي يبذله عليها، وكل مرة يعلن هذا أدعم قراره بشدة، وأستعد لبيعها، لكن لا يحدث شيء من ذلك وتنتهي رغبته عند هذا الحد، هو صادق القول حين يبدي امتعاضه، لكنه ليس جادا في عمق نفسه لفعل ذلك.
يبدي تلك الرغبة في لحظات الإرهاق والشعور بثقلها عليه، لكن في بقية الأيام هو يحبها، ويأنس بتربيته لها، ويعاملها مثل الأصدقاء – كنت أريد القول مثل العائلة لكن خشيت من تحريض شقيقتي أني أشبههم بالغنم – يعرف والدي أغنامه وأحوالها، ويخبرك أن الشاة تلك نشب رأسها في علبة معدنية واضطروا أن يذهبوا بها إلى الحداد ليقصوها، وأن ابنتها خبلة مثلها وقد نشبت قدمها أمس في شبك قديم طوال الظهيرة، حتى وجدها الراعي، ثم يضحك ويقول “سبحان الله ليس البشر فقط، حتى البهائم تتوارث قلة السنع“. وحين يحب والدي أحدا من أطفال العائلة يمنحه شاة يتركها في غنمه وتصبح وذريتها أحب الأغنام إليه لأنها حلال فلان.

بعد اتصال والدي وجدتني مثله؛ امتعض طوال الوقت من التعب والجهد والإرهاق الذي ينالني من مشروع أعمل عليه وأتابعه كثيرًا دون مردود يستحق، ومنذ منتصف 2019 وأنا أبدي رغبة في التخلص منه بل فاوضت بشكل جدي على بيعه، طمعا في استعادة هدوء بالي القديم وسكون حياتي المفقود، لكن في أعماق نفسي لا أعتقد أني جاد في هذه النية وأنها مجرد ظن خاطئ، ستعقبه الندامة إن حدث كنت أقل تعبا قبل هذا المشروع، لكنه منحني معنى جديدًا جميلًا لا أود فقده.

وهكذا الحياة، أمورنا الجميلة هي لذات ممزوجة بالتعب، وكثير من شؤوننا التي نكابدها ونود الانتهاء منها، سنبكي عليها إن ذهبت، ليس لأن الإنسان محكوم بحب عاداته ويعجز عن الفكاك عنها، وهذا صدق، ولكن أيضا لأن هذا التعب الممزوج باللذات يصبح جزءا من اللذة في وقت لاحق.

أحد كبار السن في عائلتنا كان دائم التجهم من ضجيج الأولاد لاسيما حين يلعبون بالكرة وتضرب في باب غرفته، ومرة سافر أفراد العائلة سفرا قصيرا وقرر هو البقاء لأنه لا يجد الطاقة لسفر يومين، ولما عادت العائلة ودخلو عليه بكا وقال لأصغر البنات “ما ظنيت قبل يوم أمس إني أبفقد صراخك يا أم القرون” عاد بالطبع لامتعاضه بعد أيام كما يعود والدي لإبداء رغبته في بيع الحلال وكما أتأفف من تعاملي مع مشروعي، وكما تراودك نفسك دائما بالضجر من أمور كثيرة ترهقك لكنك تحب وجودها في حياتك.
على كل حال إلى أن يعود والدي عن رغبته، تعرفون أحد يشتري غنم؟

إدمان معارض الكتب.

رأيت مرة مع زميلي بالعمل كتابًا فسألته عنه لكنه صدني وقال وجهك مو وجه راعي كتب، ولا ألومه، إذ إني أحمل معظم الوقت ملامح مدير موارد بشرية متجهم لم يمسك بيده كتابا منذ استلم وثيقة الجامعة.
أكتب دومًا أن المكتبة جزءٌ مهمٌ من الحياة وليست كل الحياة. لكني خروف كتب وهذه الحقيقة، وإذا وجدت لحظة أفقد فيها حرصي وحذري وخططي وتماسكي وجودة تفكيري فسيكون ذلك بسبب كتاب. قبل اسبوعين تعطلت بطاقتي البنكية دون سبب واضح ولا أملك في يدي حينها غير 240 ريالاً، قدرت أنها ستكفيني لإتمام رحلتي واستخدام الأجرة والأكل والشرب في الأيام العشر المقبلة إذا أحسنت التدبير، ولأن الوقت مبكرًا على رحلتي فقد مررت بإحدى المكتبات للتأمل، ثم وجدت على رف الكتب الجديدة فيها كتاب الصفدي الغيث الذي انسجم، وشعرت بالدوار والتيه، وضعفت قدرتي على التفكير؛ هذا الكتاب من الكتب التي عايشته أياما حلوة في فترة الجامعة وقرأت مختصره للدميري واشتريت كل الأعمال المكتوبة عليه التي وقعت عليها يدي، بل بحثت عن مخطوطات له في 2013 لأنه لم ينشر في طبعة مناسبة، ومهما وصفت لن أستطيع الإبانة عما في نفسي على أتم وجه.
قررت حينها أن الحكمة والرشاد والنضج المأمول من شخص انتصف الثلاثين يقتضي أن لا أشتري الكتاب وأن أطرد وساوسي وأخرج، ماذا سأصنع إن اشتريته، كيف سآكل وأكوي ملابسي، وكيف سأنتقل براحة بال، في مكان أعيش فيه بمفردي بلا نقود، وخرجت إلى سيارتي بشكل حازم، وحين استويت على المرتبة رددت على اتصال وارد، وبعدما أنهيت المكالمة عدت مسرعاً بنفس الحزم الذي خرجت به، أسرعت كأني تركت عقلي على المرتبة وأريد الفرار منه قبل أن يدركني. التقطت المجلدات الأربعة وحاسبت البائع ب 200 ريال دون مكاسرة، ثم ركبت السيارة وهربت إلى المطار، قبل أن يعود عقلي، وقبل المطار أخرجت من شنطتي الممتلئة ملابس تعادل حجم الكتاب وتركتها في السيارة وابدلت الغيث الذي انسجم بالملابس ورحلت به في حقيبتي.


في الأيام الماضية كنت أبدي قلة حماس حيال المعرض وحين يتصل بي رائد العيد ليسألني متى آتي كنت أقول “مدري إذا ارتباطات عملي تسمح لي، ولم أتخذ قرارا بعد”. حتى حان الافتتاح وتسربت إلى صور الأصحاب والمعارف من المعرض، ورأيت الأغلفة والجو العام ودخلت في نوبة عصابية وصرت أغني “ياهلي الروح تعبانة…”
أول معرض دولي زرته في حياتي كان في 2002 تقريبا، وحتى هذه الساعة كلما دخلت معرضا للكتاب أشعر بذات الاندهاش وكأنها تلك المرة، هناك أشياء تشبه الحب مهما تكررت لا تفقد بهجتها.
في أول سنين الجامعة زرت معرض الكتاب بالرياض وأنفقت كل ما أملكه في شراء 3 كتب أحدها لم أقرأه حتى الساعة ولا أعلم إن كنت سأقرأه حتى، ولست ندمانا على ذلك، وستظل تلك الزيارة من أجمل ذكرياتي عن العيش الرياض.
لولم يكن في زيارة معرض الكتاب إلا عودة رغبة القراءة والتهام الكتب لكان حدثًا يستحق الاحتفاء.
المهم، لكل من زار المعرض أو ينوي زيارته أو ابتهج به، كل عام وأنتم بخير.

وجهٌ يكافح كي يضيء

كلما كان الإنسان أطول قامة؛ تحتم عليه أن يحرم نفسه من أشياء كثيرة. في القمة لا مكان للإنسان إلا وحيدًا

فرناندو بيسوا

وجهٌ بريءْ..
وجهٌ بكل الليل في الدنيا..
يكافح كي يضيءْ..

أمل السهلاوي

قلما أعجب بإنسان؛ خوفًا من تحول ذلك إلى خيبة – وأظنك تعرف هذا الشعور كما أعرفه أنا – وأندر من إعجابي أن أكتب عن شخص ما.

بانتقالي قبل أشهر إلى مقر عمل بعيد عن كل ارتباطاتي في الحياة، كان سلواني أنها فرصة لمعرفة الناس؛ إذا تفاخر الآخرون بعد سنوات بأرصدتهم المالية وعقاراتهم، أعتقد أني سأفتخر برصيدي من الأشخاص الكرام.
رأيته في الإدارة أول مرة يضع الشماغ دون تأنق ويلتف جانب شماغه الأيسر من خلف رقبته وبالكاد يصل إلى كتفه الأيمن. ويتراجع عقاله إلى الخلف فوق المعتاد، يبدو وكأن ما على رأسه سيقع في أي لحظة، ومع ذلك لا يقع. وكان هذا سببا كافيا للإنطباع الجيد عنه. أحب هذا النمط من العيش، اللامبالاة مع الأناقة الكافية، ترك النفس تأخذ نصيبها من الفوضى كنصيبها من التجمل، والإبقاء على مسافة بين كل شيء، بين الحزم والحلم، والغفلة والدهاء، والمجون والجد. كان قادرًا على أن يبدو عاديًا وغير عادي في وقت واحد. مختلفًا عن الآخرين بلا إدلال بأفضليته ودون إشعار بدونيتهم عنه، اتسعت نفسه للناس حد الجمع بين المتناقضين، عنده من الأصدقاء المقربين إليه ما لو جمعهم مجلس لقامت بينهم معركة مشهودة. حين سألته شلون تماشي هالناس كلها وما تتصادم معهم قال “بسيطة توقف عن محاولة تغيير الناس واترك اللي يبي يغيرك”.
يستثمر بضع آلاف في شركة كورية لصناعة معجون خاص لألعاب الأطفال، ولديه خمس من الأبل يقضي المساء عندها، ويشترك في قناة ألماني على اليوتيوب يطرح الجديد عن نظريات الفيزياء، ويشتري أدوات نجارة من موقع صيني يقضي عليها وقت فراغه، يقرأ في سير الأمم ويحفظ قصص العرب وحين يشتم مديرنا يستشهد بأحد أراذل التاريخ ثم يتبع قصته ببيتي هجاء؛ يستحضر الشعر بشكل يدعو للغيرة.
لو تقدم به الزمان قليلا لكان رائدا من رواد الفلسفة الكلبية، حين قلت له ذلك ضحك وفتح الجوال وراح يبحث عن الفلسفة الكلبية.
يضرب به المثل في جودة العمل وسمعت أول قدومي، همسا عن تعرضه لسوء معاملة وظيفية بلا سبب، وبعد توثق معرفتنا فهمت أن إنسانا شجاعًا مثله لا يمكن أن يحبه الكثير من البشر؛ يتأذى السفلة من رؤية النبيل الشجاع لأنه يكشف لهم أي أخلاق دنسة تنطوي عليها نفوسهم، والضوء الساطع يؤذي الأعين المريضة، ومع ذلك لم أسمعه يشتكي مما يتعرض له، لو كنت مكانه لملأت الدنيا نحيبًا
بعد معرفتي الوثيقة به علمت أن حياته كلها تبدو مثل شماغه؛ تشعر وكأنها ستقع، لكنه بارع في الإمساك بكل الأشياء بثبات يشبه الارتجاف.

كان أولاد الحارة في جدة حين يعجبهم شخص ما يقولون في نشوة وبلهجة لا يتصورها إلا من عاش في الحجاز “أصلي” وحين خرجت إلى العالم سمعت الناس يسمون النبيل “أصيلًا” وأعتقد أني في سنتي الأخيرة عرفت الأصيل الأصلي.

على كتفي سنين شائخة

لو كان النسيان عذرا كافيا لاتخذته حجة لترك الكتابة الليلة بعبارتي المفضلة أيام الدراسة “أستاذ نسيت الواجب”.
شعور الليلة ثقيل على القلب، وبالكاد أجد القدرة في نفسي على كتابة حرف واحد دون كشفه هشاشة النفس، التعب حتمية الإنسان في هذا الوجود، عزائي أنه قدر الرغبات الكبار التي ندفع بأنفسنا إليها.
ما يؤذي في تعب الحياة العجز عن إيصال شعور الإعياء إلى من يحيط بنا، أو الإفراط في التعبير عنه ثم ننسى في غمرة القرب إليهم أن شعورهم بشكوانا مختلف عما نريده ، فنصبح من حيث لم نشعر ثقلاء ظل عليهم. وحين نخطو خطوة إلى الوراء ننظر إلى الصورة الأوضح فنعود على أنفسنا بالاستهجان!
التعب يجعلني أعيد تساؤلي القديم:

ماذا سأصنع هاهنا؟
والأرضُ مجدبةٌ كئيبة
لا شيئَ يعجبني بها
وعيون كل الناس تنكرني
وأقدامي يسلسلها لألم
وأنا اْخضُ تجاربي
عَلِّي أحولُها لبن
وأبيع زبدتها
إلى من لا يُقَدِرُهَا
ويبخسني الثمن
ويساوم الرجل الغريب
يطمعه
ويطعمه السراب
وينتشل الزمن
وأتِيهُ أجمع ُادمعي
في نصفِ فنجان
وانثره مع ذرو الرياح
موادعا حزني
وأتلو باكيا
تعويذة الشوق الدفين
و انحني
قلقا على صدري
من البعد الرهيب
وها أنا أمضي على كتفي سنين شائخة
متوكئا
عكازتي وجع الزمان
ومزادتي حبلى
بها حلم قديم وأمنيات باذخة

الولي المثقف

في داخل الفكرة الصوفية إتجاه يضفي هالة من التعظيم والسر على المجاذيب والعوام وبعض ضعفاء العقل، وتقديس شخصيات هؤلاء بإضفاء روحانية غيبية عليهم يُعبر عنها بأن هولاء لديهم نور إلهي.أو كما في بعض العبارات الدارجة التي تحمل ارتباطًا دلاليًا بهذا المفهوم “يضع سره في أضعف خلقه” … هذا الإتجاه يهمش من المعرفة مقابل العرفان، أو بتعبير آخر: يقلل من قدر ما يمكن إدراكه بالقياس والنظر في مقابل ما يعد إلهاما أو فتوحا أو سرًا فوق الإدراك والتفسير.


قبل أيام التقط أحدهم صورة، وعلق عليها يثني على شاب اعتزل بجانب الطريق للقراءة، فرد عليه آخر يهاجمه ويقلل من قدر الكتب مقابل محادثة البشر، ويعتبر الحديث مع (أي إنسان) كذا! أحب إليه من كل الكتب.
هذا النمط من التفكير يحتفي بالإنسان المجرد عن الاعتبارات ويمنحه قيمة كبيرة ومؤثرة في السياق الثقافي لمجرد اتصافه بالإنسانية. والنظر إليه بما يشبه الروحانية التي لا يمكن إدركها، وكأنها سر من أسرار الكون، واعتبار “التجربة” أكسيرًا غامضًا وقوى خارقه لا يدري الإنسان متى يحصل عليها وأن الفتح الرباني قد يجده الإنسان بالحديث إلى سكران أو جاهل أو سربوت، أو سخيف، وحديث هولاء لا يقل قيمة عن قراءة كتب الأدباء والفلاسفة والعظماء. هذا الإتجاه يماثل إتجاه الخرافة الذي يحتفي بالمجاذيب والمهابيل ويمنحهم صفات الولاية والحكمة الربانية. من يشيد بالكتب مقابل الناس يحتفي بالطبع بعموم المعارف مقابل الغالب على البشر، وأدنى من له حظ من عقل يدرك أن الغلبة هنا للكتب والمعرفة في مقابل السواد الأكبر من البشر، لكن ميزان المفاضلة لا يكون على ذات المساواة حين نقارن نمطًا نادرًا من البشر ذا تجربة مدهشة أو عقل صقلته الحياة بكتاب عادي أو تافه.
يردد هذه الاعتراضات الساذجة من لم يعرف الإنسان على حقيقته، الإنسان المحشو بالجهل والسفه وحظوظ النفس والهوى التي تمنعه عن سلامة التجربة الإنسانية والاستواء على طريق قويم، وكلما قلت معرفة الإنسان ببني جنسة ردد هذه العبارات وكأنه يتعاطى مخدرا يسبب له النشوة.
والاندهاش الكبير للأحاديث العابرة مع الناس يشير -أحيانًا- إلى ضحالة الإنسان الذي تستطيع أقل نفحة حديث على إحداث أمواج كبيرة في نفسه.
أخيرًا أجدني مضطرًأ للتأكيد أني لا أحب التقديس الكبير للكتب والعيش بداخلها عن مواجهة الحياة وعيشها ولكن هذا ليس موضوعنا.
وتصبحون على خير.

14 شهرًا بلا وسائل تواصل.

– تقدر تجيب لي مقالات مونتين؟
– ابشر لكن للحين ما أصدروها معنى.
– لا أنا أبي طبعة التنوير
– طبعوها التنوير ؟
– إيه يا الراقد ما تدري عن شي وأنت حاذف تويتر.

يلومني أحمد على فكرتين باستمرار، الأولى حذفي لوسائل التواصل، والثانية اختلاق أحداث لم تحدث في تدويناتي، مع أن لدي الكثير من الأحداث -حسب تعبيره- التي أستطيع الكتابة عنها بصدق. سأحقق لأحمد إحدى أمنيتيه وأتكلم ” بصدق” هذه المرة عن تجربة ترك وسائل التواصل.
مر على ذلك انقطاعي ما يزيد عن السنة لم أكن شجاعا لأقوم بذلك دفعة واحدة، ولا قويا ليكون ذلك بلا لحظات عودة، لكن انتهيت بتدرج إلى حذف كل تطبيقات السوشل من هاتفي، والاكتفاء بكتابة ما أريده في التلقرام أو المدونة أو الاستماع إلى صدى الأفكار في كهف رأسي، وتجربة التحدث بداخل رأسي أثبتت أن كثيرا مما كنت أشاركه في وسائل التواصل لا فائدة منه.
أكره أن أبدو في هيئة الجاحد الذي حين شبع من وسائل التواصل قال: يع ما أعجبتني، والحقيقة أن العيب كان بي أنا. عشت حياتي محبا للناس كارهًا لضجيج الجموع، أستطيع أن أتواصل مع الناس بلطف ومرح لكني آنس بنفسي، ضِعْفَ أُنسي بالجموع، يعزز سلوكي هذا انفصال بين عضلات وجهي ورغبتي في مداراة الناس، ودائما ما أعجز عن إخفاء السأم والضجر والنفور حين يحل بي.
منذ لحظتي الأولى في الانترنت وأنا قريب الصلة بالمواقع الثقافية، بل كان هدفي الأول من دخول الانترنت هو تحميل الكتب المقرصنة، لكن ولفترة طويلة كانت صلتي مع دائرة قليلة ممن أشاركهم الاهتمام، بالإضافة إلى متابعتي معظم الأسماء المعروفة والمثرية عن بعد وأدين لهم بالكثير ومازلت.
وفي لحظة اغتراب ووحدة وملل وقلة تواصل اجتماعي مع المحيط جاءت فكرة القفز المظلي إلى داخل التويتر والسناب وإزعاج العالم بثرثرتي.
شبيه بلحظة الاغتراب تلك جاءت إلي لحظة اغتراب مناقض، على إثر نوبة اكتئاب ثقيلة أطول من كل سابقاتها مع مشكلة عظيمة في عملي وتجربة عاطفية سيئة وضغط مهام كبير وشعور بعدم الرضا عن هجر القراءة لأكثر من 4 أشهر و ضياع الشحنات مع البريد، وألف كارثة وكارثة اجتمعت في وقت واحد، وتراكم رسائل ومحادثات كثيرة ، وصلتني الرسالة التي صفعت وجهي، من صديق يتحلطم عندي أثناء أداء عملي في وسط الدوام الرسمي ثم توقف ليقول “ليش ما ترد زين أكره طريقتك في التفاعل تقتل السالفة بحلق الواحد” وكانت هذه اللحظة التي لا عودة بعدها.
أمضيت بقية اليوم أعيد تقييم ما يحدث بعين حقيقية، وجدتني أحتمل ضغط وسائل التواصل والتفاعل الثقيل فيها، دون أن يكون في ما أصنعه أي فائدة حقيقية لي، وصرت في آخر سنة لي أقوم بكثير من المهام التي لا تلزمني لإنقاذ الناس وكأني باتمان، ولم تعد سنابات المثقفين التي أتابعها تحوي غير طرق إعداد المندي، ولقاء فلان بفلان، وتصبيحات وتمسيات تأخذ الكثير من وقتي، وتحولت التغريدات في معظمها إلى تسليك ومجاملة وتكرارا للكلام وحروب باردة بين الشلل.
واضطررت إلى مداراة محتوى كثير ضعيف وتافه بدافع المجاملة والعلاقات العامة – وصل عدد من أتباعهم في السناب شات إلى عدد ضخم جدا بسبب المجاملة – وأجبرت على التعامل مع أشخاص نكذب على بعضنا بالمداراة ثم نقع في غيبة بعضنا حين نفترق. نعم هذه حقيقة وأنا أستطيع قراءة وجه من يحب غيبتي، ومواقف غريبة أخرى مثل أصدقاء لديهم حسابات خفية في تويتر يشتموني منها ولا يدركون أني أميز أساليبهم ومفرداتهم وعباراتهم المفضلة، ومثل صديق ألتقيته وبعد أن افترقنا تحدث في السناب مستعيرًا أفكارًا ناقشتها معه على العشاء وحين انتهى عرض بي بما يشبه الشتيمة بطريقة حمقاء.
كل الأمراض الإجتماعية التي كنت أهجوها (كالاستعراض، والمحاباة، والتفاهة، والسطحية، وغيرها) صارت فعلًا مطروحا أمامي ومجبرًا على تقبله بل والاقتراب من ممارسته للمحافظة على العلاقة في هذا الوسط.
هذا العبء وأمور أخرى أهم وأكثر تأثيرًا ولدت بي رغبة المغادرة بلا خطط عودة، وحين أنظر إلى الخلف أجد أني خسرت الكثير بهذا الانقطاع، وفقدت التواصل مع عدد من الأشخاص الذين أحبهم وأحب ما يطرحون، وغاب عني الكثير من الأشياء التي أعلم أنها تهمني وتفيدني، لكني كسبت أشياء أهم، توثقت صلتي بأفراد العائلة والأصدقاء، وبدأت صلتي مع أبناء شقيقاتي لأول مرة، واتضح لي أن هذا التواصل عظيم في نفوسهم، صرت أنا وسيلة الشكوى الخطيرة لدى الفتيات في العائلة الذي يهددن به الأولاد الكبار، وأصبحت في ذاتي أكثر هدوءا وأربط جأشا، وعاودت اهتمامات اندثرت منذ انغمست في وسائل التواصل كالتدوين وصنع البانكيك وتتبيل الشاورما، وقراءة الروايات والوقوع في الحب، وبخلاف ما توقعت كان الانقطاع سبيلا للتخفف من صعوبات الحياة.
ما تعلمته من كل هذا أن الاتجاه إلى التخفف هو وسيلتي المناسبة للعيش الهانئ دون خسران ذاتي، والتركيز على ما أستطيع جني ثمرة كبيرة منه بجهد عادل ومتوازن، كما تعلمت أن من يحبك لن يظل محكومًا بقاعدة البعيد عن العين بعيد عن القلب، ما يزال أسامة الذي جمعتني به معرفة قديمة في الانترنت على صلة معي دون أن يملك أي حساب في وسائل التواصل منذ 2016، وكم أحب أسامة لذلك.
لم تكن وسائل التواصل عش دبابير لكني كرهت البقاء.

بوابة السفر 05b

أكره البوابة 05b، وإذا كنت تعرف مطار جدة فأنت تعلم الجحيم الذي أتكلم عنه أما إن كنت لا تعرفه جيدًا فهي بوابة قرروا عند إنشاء المطار على أفضل طراز حديث؛ أن يتركوها تذكارًا لمعاناة المسافرين القديمة. تسمى مجازًا بوابة صعود وكل الطرق التي تؤدي إليها تتجه إلى الأسفل؛ يصلها المسافر نزولًا إلى قبو يكتم الأنفاس ويتحاشر فيه الناس. وهي البوابة الوحيدة تقريبا التي يذهب المسافر منها إلى الطائرة باستخدام الباصات، تخلو من جميع المرافق التي يحتاجها المسافر، ولها سلطة تدميرية على الأمزجة غريبة، حتى أن موظفي المطار المتسمون باللطف الزائد يفقدون ذلك إذا أوكلت إليهم مهمة العمل عندها. لو وُجد مخرج يربط الدنيا بعالم مليئ بالتعاسة فسيكون رقمه 05b.
عبور بوابة السفر ضمن مواقف كثيرة أتعامل معها باستمرار، روضت عقلي وحواسي وتشكل منها روتين الأشهر الماضية، على سبيل المثال تحن معدتي كلمُا دخلت المطار ليلًا وتصبح مثل حيوان أليف يلتصق بقدمي ويحرك ذيل الاستعطاف لأشتري بيتزا بيبروني، لأني اعتدت أن تكون هي وجبة العشاء في رحلة الذهاب، وحين دعاني صديقي الأسبوع الفائت إلى مطعم بيتزا فاخر لاحظ أني لم أتناول البيبروني ولما خشي إنها لم  تعجبني، قلت له: بالعكس لذيذة لكن طعمها يرهقني، طعمها طعم سفر.
أثقل المواقف هو اضطراب جدول نومي؛ بسبب اختلاف مواعيد رحلات الذهاب والأياب، إذ تستلزم مني إحداها الاستيقاظ قبل الفجر وتتطلب  الأخرى السهر إلى وقت متأخر وما بين التوقيتين تمر أيامي في شرب القهوة الكولومبية للتصبر أو تعاطي حبوب الميلاتونين ومكملات المغنيسوم، لتحسين النوم.ويصبح السفر حينها وجها آخر من وجوه مشقة الوجود.

عن تجربة التنقل هذه لدي الكثير مما أود تدوينه. لكن الذي يخطر بذهني الآن أني سأنسى حوادث هذه الأيام حين تنتهي وستظل لحظاتها لطيفة في ذهني لارتباطها بمن أحب.

حاشية: بدأت التدوينة وأنا أتناول قطعة بيتزا بيبروني ساخنة ولما فرغت منها ذهبت لأرى من أين سنسافر الليلة فوجدتها بوابة 05b،  للمرة الأولى لا أشعر بالغيظ، لقد سبقت إلى الانتقام.

ما زال يركض خلفها وطنًا بلا معنى وحلمًا لا يُصاد ولا يُرى.

كل من ينام يغدو صبيا مجددا

فرناندو بيسوا

عزيزتي:
أنتقم من الحياة بالأحلام، لا أعني تمني الأمور العظيمة وتخيل حياة وردية؛ أعني أحلام النوم، علاقتي بالأحلام تتجاوز الانتقام لتصبح شيئا روحانيًا، بعد سنوات حين أتقاعد سأسدل شعر رأسي وأترك جوانب وجهي يخطها الشيب وأنشئ فرقة خرافية تؤمن بالأحلام رسالة كونية، وحين أجمع من أتباعي مبلغًا مجزيًا سأشتري منزلًا فخمًا وأغلق متجر الكتب الذي أفلسني وأهرب إلى إيطاليا، هذه الفكرة ليست من أحلام المنام، وين كنا؟
أحلم مرارًا برجل جاد يقف أمامي ويبلغني بأشياء يجب تنفيذها، مثل أن أغلق نافذة المتجر لأن السماء ستمطر صباحًا، أو أن ورقة إجازتي فُقِدت لدى الموارد البشرية وحين أستيقظ أجد ما قاله وقع فعلًا.
قبل ثمانية أشهر وفي بلد غريبةٍ وحالة عصيبةٍ، حلمت بعزيزٍ علي يحتضنني بلا مناسبة وقمت من نومي نشيطَ القلب متماسكًا، وبعد أيامٍ علمت أن وقت يقظتي من النوم وافق تفكير هذا الشخص بي ودعائه.
ومع ذلك تتخلص ذاكرتي من الأحلام سريعًا. الحلم الوحيد العالق برأسي كان قبل 10 سنوات؛ حلمت بفتاة تقف على جانب الطريق، يفصلني عنها رصيف إسمنتي، وحين وقفت لها طلبت بلطف أن أوصلها، ومدفوعا في بلطف زائد قلت: سأستدير بالسيارة وأعود إليك لا تقفزي من فوق الرصيف. بعد 300 متر أضعت الطريق وبقيت أدور في تعرجات تبعدني عنها حتى استيقظت بغصة شديدة علقت في حلقي يوما كاملًا.
بطريقة ما استعيد هذه الغصة حيال كل مسافة تفصلني عنك الآن.