أسعى إلى الوقوف على كنه حياتي وحياة الناس. أستكشف المادة التي يستكشفها الكُتاب .. خرائط الحياة
– مانويل بيلاس
“سيساعدك موظف تحت إدارتك وستنتقل إلى الجهة الأخرى من المبنى وسيكون لك مكتب مواجه للحديقة وتستطيع أن ترى من خلاله برج الساعة والحرم” هذا ما عدده موظف الموارد البشرية ليُوقف اعتراضي على تكليفي في القسم المستحدث. أكره البدايات، في العمل، والحب، والسفر، ولم أشأ مغادرة مكتبي بعد أن علقت به رائحة مختلطة من القهوة وعطوري ودخان العود وبعد أن صارت والدتي تميز وجودي فيه عندما تتصل بي من ارتداد الصدى عن جدرانه.
دخلت مكتبي الجديد فوجدت حماد يجلس متأنقا ينتظر مني أن أحيل إليه التعليمات عن طريقة إدارتي للعمل. ذهبت مباشرة لأتفقد الإطلالة ولأفتح منفذًا تخرج منه رائحة العطر الكثيف الذي رشه قبل قليل، شدني على الإفريز خلف النافذة حبوب عدس نيئة وعظمة تشبه عظم الصدر لطائر صغير وبقايا ملتصقة تحولت مع الغبار والحرارة والوقت إلى مادة صمغية سوداء اللون، اقتربت بوجهي ودققت متفحصًا فبدا لي ما يشبه بقايا الشعر أو الريش ملتصقا بها، قد أفهم كل شيء لكني لم أفهم ماذا يأتي بحبوب العدس إلى الطابق الثالث عشر رفعت سماعة الهاتف وطلبت من الخدمات أن يرسلوا عاملًا معه مكنسة كهربائية وممسحة ومطهر، حين حضر شرحت له أن يقلب المكنسة ليحولها من الشفط إلى النفخ ويطير بعيدًا كل هذه الأوساخ والبذور ثم دفعنا النافذة التي لم يتزحزح منها غير مساحة صغيرة سمحت بتمرير يده وسكب الماء والمطهر ودعك الإفريز وتنظيفه. أعددت قهوتي ثم نزلت إلى المدير التنفيذي في أول اجتماع لنا بعد إنشاء الإدارة لنتلقى المعتاد من القول في هذه الأحوال. عدت في منتصف الضحى وحين دخلت المكتب استوقفني منظر حدأة تقف على الإفريز وبمخلبها شيء تنهش منه، سحبت نفسي إلى الوراء ببطء حتى لا تطير وذهبت إلى مديري وسألته هل تعرف الحدأة ؟ قال نعم ، جاتك؟ قلت إيه وش دراك فأجاب كنت أعمل قديمًا في هذه الجهة وكانت تأتي إلى نافذتي وأتأملها من قرب، تصرفاتها عجيبة. سألته: ما تطير إذا قربت؟ قال لا وباستغراب متحذلق استفهمت: عمياء ؟ قال لا لكن النوافذ في الواجهة مثل المرايا تعكس فما تدري عنك وضحك على وجهي الساذج الذي ظهرت عليه علامات الاستيعاب المتأخر.
رجعت إلى مكتبي ولما توسطت الغرفة رفع الطائر رأسه إلي وأشخص نظره إلى مكاني فتوقفت عن المشي ووقعت عيني على عينه ومن خلف الزجاج وقفنا ننظر إلى بعضنا جارح ينظر إلى جارح. ومع خطوتي الأولى التقط بمنقاره بقايا فريسته من على الإفريز وارتد إلى الورا محلقا، وجدت مكانه أحشاء وحويصلة طائر صغير وألحقته بحسد بصري، باقٍ ينظر إلى راحل.


