التقيت أحد رفاقي المشاغبين في مطار الرياض، جمعنا انتظار الطائرات وكوب قهوة وتعب المشي لأيام في زحام معرض الكتاب، وحزن الإياب الغامض. ولكي يستفز لساني المجهد؛ أشار بخبث إلى حقيبتي وقال “شنطتك تشبهك”. أخرجت له هاتفي وأريته صورة أخذتها قبل ساعات للحقيبة، مدفوعا لالتقاطها بذات الفكرة.
أعتقد أن الإنسان مع الوقت تشبهه أشياؤه أو هو يشبهها، أتذكر عمي الذي أخفى عنا عطره الساحر سنين طويلة، وحين وجدنا القارورة بعد موته واشتريناه لم تكن له رائحة عمي.
عجلات حقيبتي تعرج لكثرة ما قطعت من طرق طويلة، أسحبها بروية حينا وأدفعها راكضا في معظم الوقت، ولفرط ما ركضت بها أشعر أحيانًا أنها تسحبني وتصرخ “بسرعة لا تقفل البوابة علينا” من خلال الخدوش على جنباتها أُعدد الأرصفة التي سقطت عليها، لأنها لم تؤخذ بجدية كافية، أو لم يهتم أحدٌ لسقوطها، أو لفرط الثقة أنها قوية لا تنكسر. حشوتها مرة كتبًا كثيرة في رحلة عودة من خارج السعودية وحين أوقفني موظف الجمارك سألني كل اللي فيها كتب؟ مافيه أغراض ثانية! وهكذا يقول عني بعض الناس أحيانًا.
على جنباتها عدد لا يحصى من ملصقات الطيران تحمل اسماء مطارات شتى لا تدل على مكان ولا تشير إلى وجهه. في رحلة قبل سنوات وبسبب تأخر عبوري من الجوازات، فرغ سير الحقائب ولم يبق عليه غير حقيبتي تغدو وتعود وحيدة بلا منتظر، لذا سحبها موظفوا المطار. وحين راجعت قسم الحقائب المفقودة أخبرت الموظف أنها خضراء فسفورية وزودته برقم الملصق عليها وأريته صورتها، عاد إلي بعد دقائق ودفعها بقوة باتجاهي وقال لولا لونها المميز لما استطعت أن أعرفها، عليها ألف ملصق .
إن صح تشبيه صاحبي المشاغب فهذا ما تشبهني به، أحمل ألف وجهة وطريق، ولذا أخشى أن أضيع يومًا فلا يستطيع أحد العثور علي.
كلما كان الإنسان أطول قامة؛ تحتم عليه أن يحرم نفسه من أشياء كثيرة. في القمة لا مكان للإنسان إلا وحيدًا
فرناندو بيسوا
وجهٌ بريءْ.. وجهٌ بكل الليل في الدنيا.. يكافح كي يضيءْ..
أمل السهلاوي
قلما أعجب بإنسان؛ خوفًا من تحول ذلك إلى خيبة – وأظنك تعرف هذا الشعور كما أعرفه أنا – وأندر من إعجابي أن أكتب عن شخص ما.
بانتقالي قبل أشهر إلى مقر عمل بعيد عن كل ارتباطاتي في الحياة، كان سلواني أنها فرصة لمعرفة الناس؛ إذا تفاخر الآخرون بعد سنوات بأرصدتهم المالية وعقاراتهم، أعتقد أني سأفتخر برصيدي من الأشخاص الكرام. رأيته في الإدارة أول مرة يضع الشماغ دون تأنق ويلتف جانب شماغه الأيسر من خلف رقبته وبالكاد يصل إلى كتفه الأيمن. ويتراجع عقاله إلى الخلف فوق المعتاد، يبدو وكأن ما على رأسه سيقع في أي لحظة، ومع ذلك لا يقع. وكان هذا سببا كافيا للإنطباع الجيد عنه. أحب هذا النمط من العيش، اللامبالاة مع الأناقة الكافية، ترك النفس تأخذ نصيبها من الفوضى كنصيبها من التجمل، والإبقاء على مسافة بين كل شيء، بين الحزم والحلم، والغفلة والدهاء، والمجون والجد. كان قادرًا على أن يبدو عاديًا وغير عادي في وقت واحد. مختلفًا عن الآخرين بلا إدلال بأفضليته ودون إشعار بدونيتهم عنه، اتسعت نفسه للناس حد الجمع بين المتناقضين، عنده من الأصدقاء المقربين إليه ما لو جمعهم مجلس لقامت بينهم معركة مشهودة. حين سألته شلون تماشي هالناس كلها وما تتصادم معهم قال “بسيطة توقف عن محاولة تغيير الناس واترك اللي يبي يغيرك”. يستثمر بضع آلاف في شركة كورية لصناعة معجون خاص لألعاب الأطفال، ولديه خمس من الأبل يقضي المساء عندها، ويشترك في قناة ألماني على اليوتيوب يطرح الجديد عن نظريات الفيزياء، ويشتري أدوات نجارة من موقع صيني يقضي عليها وقت فراغه، يقرأ في سير الأمم ويحفظ قصص العرب وحين يشتم مديرنا يستشهد بأحد أراذل التاريخ ثم يتبع قصته ببيتي هجاء؛ يستحضر الشعر بشكل يدعو للغيرة. لو تقدم به الزمان قليلا لكان رائدا من رواد الفلسفة الكلبية، حين قلت له ذلك ضحك وفتح الجوال وراح يبحث عن الفلسفة الكلبية. يضرب به المثل في جودة العمل وسمعت أول قدومي، همسا عن تعرضه لسوء معاملة وظيفية بلا سبب، وبعد توثق معرفتنا فهمت أن إنسانا شجاعًا مثله لا يمكن أن يحبه الكثير من البشر؛ يتأذى السفلة من رؤية النبيل الشجاع لأنه يكشف لهم أي أخلاق دنسة تنطوي عليها نفوسهم، والضوء الساطع يؤذي الأعين المريضة، ومع ذلك لم أسمعه يشتكي مما يتعرض له، لو كنت مكانه لملأت الدنيا نحيبًا بعد معرفتي الوثيقة به علمت أن حياته كلها تبدو مثل شماغه؛ تشعر وكأنها ستقع، لكنه بارع في الإمساك بكل الأشياء بثبات يشبه الارتجاف.
كان أولاد الحارة في جدة حين يعجبهم شخص ما يقولون في نشوة وبلهجة لا يتصورها إلا من عاش في الحجاز “أصلي” وحين خرجت إلى العالم سمعت الناس يسمون النبيل “أصيلًا” وأعتقد أني في سنتي الأخيرة عرفت الأصيل الأصلي.
في داخل الفكرة الصوفية إتجاه يضفي هالة من التعظيم والسر على المجاذيب والعوام وبعض ضعفاء العقل، وتقديس شخصيات هؤلاء بإضفاء روحانية غيبية عليهم يُعبر عنها بأن هولاء لديهم نور إلهي.أو كما في بعض العبارات الدارجة التي تحمل ارتباطًا دلاليًا بهذا المفهوم “يضع سره في أضعف خلقه” … هذا الإتجاه يهمش من المعرفة مقابل العرفان، أو بتعبير آخر: يقلل من قدر ما يمكن إدراكه بالقياس والنظر في مقابل ما يعد إلهاما أو فتوحا أو سرًا فوق الإدراك والتفسير.
قبل أيام التقط أحدهم صورة، وعلق عليها يثني على شاب اعتزل بجانب الطريق للقراءة، فرد عليه آخر يهاجمه ويقلل من قدر الكتب مقابل محادثة البشر، ويعتبر الحديث مع (أي إنسان) كذا! أحب إليه من كل الكتب. هذا النمط من التفكير يحتفي بالإنسان المجرد عن الاعتبارات ويمنحه قيمة كبيرة ومؤثرة في السياق الثقافي لمجرد اتصافه بالإنسانية. والنظر إليه بما يشبه الروحانية التي لا يمكن إدركها، وكأنها سر من أسرار الكون، واعتبار “التجربة” أكسيرًا غامضًا وقوى خارقه لا يدري الإنسان متى يحصل عليها وأن الفتح الرباني قد يجده الإنسان بالحديث إلى سكران أو جاهل أو سربوت، أو سخيف، وحديث هولاء لا يقل قيمة عن قراءة كتب الأدباء والفلاسفة والعظماء. هذا الإتجاه يماثل إتجاه الخرافة الذي يحتفي بالمجاذيب والمهابيل ويمنحهم صفات الولاية والحكمة الربانية. من يشيد بالكتب مقابل الناس يحتفي بالطبع بعموم المعارف مقابل الغالب على البشر، وأدنى من له حظ من عقل يدرك أن الغلبة هنا للكتب والمعرفة في مقابل السواد الأكبر من البشر، لكن ميزان المفاضلة لا يكون على ذات المساواة حين نقارن نمطًا نادرًا من البشر ذا تجربة مدهشة أو عقل صقلته الحياة بكتاب عادي أو تافه. يردد هذه الاعتراضات الساذجة من لم يعرف الإنسان على حقيقته، الإنسان المحشو بالجهل والسفه وحظوظ النفس والهوى التي تمنعه عن سلامة التجربة الإنسانية والاستواء على طريق قويم، وكلما قلت معرفة الإنسان ببني جنسة ردد هذه العبارات وكأنه يتعاطى مخدرا يسبب له النشوة. والاندهاش الكبير للأحاديث العابرة مع الناس يشير -أحيانًا- إلى ضحالة الإنسان الذي تستطيع أقل نفحة حديث على إحداث أمواج كبيرة في نفسه. أخيرًا أجدني مضطرًأ للتأكيد أني لا أحب التقديس الكبير للكتب والعيش بداخلها عن مواجهة الحياة وعيشها ولكن هذا ليس موضوعنا. وتصبحون على خير.
– تقدر تجيب لي مقالات مونتين؟ – ابشر لكن للحين ما أصدروها معنى. – لا أنا أبي طبعة التنوير – طبعوها التنوير ؟ – إيه يا الراقد ما تدري عن شي وأنت حاذف تويتر.
يلومني أحمد على فكرتين باستمرار، الأولى حذفي لوسائل التواصل، والثانية اختلاق أحداث لم تحدث في تدويناتي، مع أن لدي الكثير من الأحداث -حسب تعبيره- التي أستطيع الكتابة عنها بصدق. سأحقق لأحمد إحدى أمنيتيه وأتكلم ” بصدق” هذه المرة عن تجربة ترك وسائل التواصل. مر على ذلك انقطاعي ما يزيد عن السنة لم أكن شجاعا لأقوم بذلك دفعة واحدة، ولا قويا ليكون ذلك بلا لحظات عودة، لكن انتهيت بتدرج إلى حذف كل تطبيقات السوشل من هاتفي، والاكتفاء بكتابة ما أريده في التلقرام أو المدونة أو الاستماع إلى صدى الأفكار في كهف رأسي، وتجربة التحدث بداخل رأسي أثبتت أن كثيرا مما كنت أشاركه في وسائل التواصل لا فائدة منه. أكره أن أبدو في هيئة الجاحد الذي حين شبع من وسائل التواصل قال: يع ما أعجبتني، والحقيقة أن العيب كان بي أنا. عشت حياتي محبا للناس كارهًا لضجيج الجموع، أستطيع أن أتواصل مع الناس بلطف ومرح لكني آنس بنفسي، ضِعْفَ أُنسي بالجموع، يعزز سلوكي هذا انفصال بين عضلات وجهي ورغبتي في مداراة الناس، ودائما ما أعجز عن إخفاء السأم والضجر والنفور حين يحل بي. منذ لحظتي الأولى في الانترنت وأنا قريب الصلة بالمواقع الثقافية، بل كان هدفي الأول من دخول الانترنت هو تحميل الكتب المقرصنة، لكن ولفترة طويلة كانت صلتي مع دائرة قليلة ممن أشاركهم الاهتمام، بالإضافة إلى متابعتي معظم الأسماء المعروفة والمثرية عن بعد وأدين لهم بالكثير ومازلت. وفي لحظة اغتراب ووحدة وملل وقلة تواصل اجتماعي مع المحيط جاءت فكرة القفز المظلي إلى داخل التويتر والسناب وإزعاج العالم بثرثرتي. شبيه بلحظة الاغتراب تلك جاءت إلي لحظة اغتراب مناقض، على إثر نوبة اكتئاب ثقيلة أطول من كل سابقاتها مع مشكلة عظيمة في عملي وتجربة عاطفية سيئة وضغط مهام كبير وشعور بعدم الرضا عن هجر القراءة لأكثر من 4 أشهر و ضياع الشحنات مع البريد، وألف كارثة وكارثة اجتمعت في وقت واحد، وتراكم رسائل ومحادثات كثيرة ، وصلتني الرسالة التي صفعت وجهي، من صديق يتحلطم عندي أثناء أداء عملي في وسط الدوام الرسمي ثم توقف ليقول “ليش ما ترد زين أكره طريقتك في التفاعل تقتل السالفة بحلق الواحد” وكانت هذه اللحظة التي لا عودة بعدها. أمضيت بقية اليوم أعيد تقييم ما يحدث بعين حقيقية، وجدتني أحتمل ضغط وسائل التواصل والتفاعل الثقيل فيها، دون أن يكون في ما أصنعه أي فائدة حقيقية لي، وصرت في آخر سنة لي أقوم بكثير من المهام التي لا تلزمني لإنقاذ الناس وكأني باتمان، ولم تعد سنابات المثقفين التي أتابعها تحوي غير طرق إعداد المندي، ولقاء فلان بفلان، وتصبيحات وتمسيات تأخذ الكثير من وقتي، وتحولت التغريدات في معظمها إلى تسليك ومجاملة وتكرارا للكلام وحروب باردة بين الشلل. واضطررت إلى مداراة محتوى كثير ضعيف وتافه بدافع المجاملة والعلاقات العامة – وصل عدد من أتباعهم في السناب شات إلى عدد ضخم جدا بسبب المجاملة – وأجبرت على التعامل مع أشخاص نكذب على بعضنا بالمداراة ثم نقع في غيبة بعضنا حين نفترق. نعم هذه حقيقة وأنا أستطيع قراءة وجه من يحب غيبتي، ومواقف غريبة أخرى مثل أصدقاء لديهم حسابات خفية في تويتر يشتموني منها ولا يدركون أني أميز أساليبهم ومفرداتهم وعباراتهم المفضلة، ومثل صديق ألتقيته وبعد أن افترقنا تحدث في السناب مستعيرًا أفكارًا ناقشتها معه على العشاء وحين انتهى عرض بي بما يشبه الشتيمة بطريقة حمقاء. كل الأمراض الإجتماعية التي كنت أهجوها (كالاستعراض، والمحاباة، والتفاهة، والسطحية، وغيرها) صارت فعلًا مطروحا أمامي ومجبرًا على تقبله بل والاقتراب من ممارسته للمحافظة على العلاقة في هذا الوسط. هذا العبء وأمور أخرى أهم وأكثر تأثيرًا ولدت بي رغبة المغادرة بلا خطط عودة، وحين أنظر إلى الخلف أجد أني خسرت الكثير بهذا الانقطاع، وفقدت التواصل مع عدد من الأشخاص الذين أحبهم وأحب ما يطرحون، وغاب عني الكثير من الأشياء التي أعلم أنها تهمني وتفيدني، لكني كسبت أشياء أهم، توثقت صلتي بأفراد العائلة والأصدقاء، وبدأت صلتي مع أبناء شقيقاتي لأول مرة، واتضح لي أن هذا التواصل عظيم في نفوسهم، صرت أنا وسيلة الشكوى الخطيرة لدى الفتيات في العائلة الذي يهددن به الأولاد الكبار، وأصبحت في ذاتي أكثر هدوءا وأربط جأشا، وعاودت اهتمامات اندثرت منذ انغمست في وسائل التواصل كالتدوين وصنع البانكيك وتتبيل الشاورما، وقراءة الروايات والوقوع في الحب، وبخلاف ما توقعت كان الانقطاع سبيلا للتخفف من صعوبات الحياة. ما تعلمته من كل هذا أن الاتجاه إلى التخفف هو وسيلتي المناسبة للعيش الهانئ دون خسران ذاتي، والتركيز على ما أستطيع جني ثمرة كبيرة منه بجهد عادل ومتوازن، كما تعلمت أن من يحبك لن يظل محكومًا بقاعدة البعيد عن العين بعيد عن القلب، ما يزال أسامة الذي جمعتني به معرفة قديمة في الانترنت على صلة معي دون أن يملك أي حساب في وسائل التواصل منذ 2016، وكم أحب أسامة لذلك. لم تكن وسائل التواصل عش دبابير لكني كرهت البقاء.
أكره البوابة 05b، وإذا كنت تعرف مطار جدة فأنت تعلم الجحيم الذي أتكلم عنه أما إن كنت لا تعرفه جيدًا فهي بوابة قرروا عند إنشاء المطار على أفضل طراز حديث؛ أن يتركوها تذكارًا لمعاناة المسافرين القديمة. تسمى مجازًا بوابة صعود وكل الطرق التي تؤدي إليها تتجه إلى الأسفل؛ يصلها المسافر نزولًا إلى قبو يكتم الأنفاس ويتحاشر فيه الناس. وهي البوابة الوحيدة تقريبا التي يذهب المسافر منها إلى الطائرة باستخدام الباصات، تخلو من جميع المرافق التي يحتاجها المسافر، ولها سلطة تدميرية على الأمزجة غريبة، حتى أن موظفي المطار المتسمون باللطف الزائد يفقدون ذلك إذا أوكلت إليهم مهمة العمل عندها. لو وُجد مخرج يربط الدنيا بعالم مليئ بالتعاسة فسيكون رقمه 05b. عبور بوابة السفر ضمن مواقف كثيرة أتعامل معها باستمرار، روضت عقلي وحواسي وتشكل منها روتين الأشهر الماضية، على سبيل المثال تحن معدتي كلمُا دخلت المطار ليلًا وتصبح مثل حيوان أليف يلتصق بقدمي ويحرك ذيل الاستعطاف لأشتري بيتزا بيبروني، لأني اعتدت أن تكون هي وجبة العشاء في رحلة الذهاب، وحين دعاني صديقي الأسبوع الفائت إلى مطعم بيتزا فاخر لاحظ أني لم أتناول البيبروني ولما خشي إنها لم تعجبني، قلت له: بالعكس لذيذة لكن طعمها يرهقني، طعمها طعم سفر. أثقل المواقف هو اضطراب جدول نومي؛ بسبب اختلاف مواعيد رحلات الذهاب والأياب، إذ تستلزم مني إحداها الاستيقاظ قبل الفجر وتتطلب الأخرى السهر إلى وقت متأخر وما بين التوقيتين تمر أيامي في شرب القهوة الكولومبية للتصبر أو تعاطي حبوب الميلاتونين ومكملات المغنيسوم، لتحسين النوم.ويصبح السفر حينها وجها آخر من وجوه مشقة الوجود.
عن تجربة التنقل هذه لدي الكثير مما أود تدوينه. لكن الذي يخطر بذهني الآن أني سأنسى حوادث هذه الأيام حين تنتهي وستظل لحظاتها لطيفة في ذهني لارتباطها بمن أحب.
حاشية: بدأت التدوينة وأنا أتناول قطعة بيتزا بيبروني ساخنة ولما فرغت منها ذهبت لأرى من أين سنسافر الليلة فوجدتها بوابة 05b، للمرة الأولى لا أشعر بالغيظ، لقد سبقت إلى الانتقام.
عزيزتي: أنتقم من الحياة بالأحلام، لا أعني تمني الأمور العظيمة وتخيل حياة وردية؛ أعني أحلام النوم، علاقتي بالأحلام تتجاوز الانتقام لتصبح شيئا روحانيًا، بعد سنوات حين أتقاعد سأسدل شعر رأسي وأترك جوانب وجهي يخطها الشيب وأنشئ فرقة خرافية تؤمن بالأحلام رسالة كونية، وحين أجمع من أتباعي مبلغًا مجزيًا سأشتري منزلًا فخمًا وأغلق متجر الكتب الذي أفلسني وأهرب إلى إيطاليا، هذه الفكرة ليست من أحلام المنام، وين كنا؟ أحلم مرارًا برجل جاد يقف أمامي ويبلغني بأشياء يجب تنفيذها، مثل أن أغلق نافذة المتجر لأن السماء ستمطر صباحًا، أو أن ورقة إجازتي فُقِدت لدى الموارد البشرية وحين أستيقظ أجد ما قاله وقع فعلًا. قبل ثمانية أشهر وفي بلد غريبةٍ وحالة عصيبةٍ، حلمت بعزيزٍ علي يحتضنني بلا مناسبة وقمت من نومي نشيطَ القلب متماسكًا، وبعد أيامٍ علمت أن وقت يقظتي من النوم وافق تفكير هذا الشخص بي ودعائه. ومع ذلك تتخلص ذاكرتي من الأحلام سريعًا. الحلم الوحيد العالق برأسي كان قبل 10 سنوات؛ حلمت بفتاة تقف على جانب الطريق، يفصلني عنها رصيف إسمنتي، وحين وقفت لها طلبت بلطف أن أوصلها، ومدفوعا في بلطف زائد قلت: سأستدير بالسيارة وأعود إليك لا تقفزي من فوق الرصيف. بعد 300 متر أضعت الطريق وبقيت أدور في تعرجات تبعدني عنها حتى استيقظت بغصة شديدة علقت في حلقي يوما كاملًا. بطريقة ما استعيد هذه الغصة حيال كل مسافة تفصلني عنك الآن.
بعد صلاة الجمعة رأيت أصغر شقيقاتي تتصفح كتابي الموضوع على طاولة الصالة، ليست من عادتها، لكن فضولا تملكها عقب تدوينة البارحة؛ متيقنة أن اختراعي لأخت اسمها سارة وأخ اسمه بدر وحيلة النظارة لوالدتي التي لا ترتدي نظارات لن يخدعها، ومتيقنة أني أخفي حقيقة واحدة في نص مليئ بحكايا مختلقة، وتظن أن هذه الحقيقة هي وقوعي في الحب. أو هي تود ذلك!. لم تجد في كتاب “بين العالم وبيني” للكاتب تانيهيسي كوتس ما يرضي فضولها؛ رسالة والد أمريكي يسكن نيويورك من أصول إفريقية يروي لابنه سيرته وتأملاته في العنصرية والحالة العرقية، خاب أملها وهي تضع الكتاب. تمنت أن شقيقها الأكبر يقع أخيرًا على وجهه.. ألقيت نص البارحة على كتف والدتي التي لا تعلم عن كتاباتي شيئًا لكن البلاء جاء إلي من حيث لم أتوقع، واضطررت طِوال الوقت أن أرتدي وجها رصينا كلما نظرت إلى هاتفي واتجهم فوق المعتاد خشية أن تفر من وجهي ابتسامة فرح إذا نظرت إليه؛ فتتخذني مادة للغيبة عند صديقاتها. عند المساء وفي وسط حديثي قلت “تصبح التضحية بالرغبات أكبر لذة من الحصول عليها إذا أنفقها الإنسان لمن يحب” ولم تفت علي ابتسامة على طرف فم أختي المشاغبة. قبل ما يزيد عن السنتين أعرت أختي كتاب (حليب أسود) إثر حالة كآبة عارضة بعد الولادة، وحين علمتُ أن أليف شافاق تعبر عنكِ في أحد فصوله طلبتُ من أختي أن تعيده إلي حين تزورنا يوم الجمعة، يذكر أصحاب الكتب أنهم يهربون كتبهم خوفا من أهلهم ولم يسبق لي تجربة الشعور، لكني جربت للمرة الأولى أن استعيد كتابا بطريقة مريبة وكأني أستعيد دليل إدانة ضدي. إدانة بالحب
أمي ضعيفة البصر ولم تساعدها النظارة الطبية على القراءة، ولأنها تعلم أي فتى شقي منغلق على ذاته يقبع بعيدًا؛ فقد أوكلت إلى شقيقتي سارة مراقبة حالة الواتس أب ومنشورات السناب شات، وتدويناتي هنا، وكل مرة أنشر فيها تدوينة توحي باضطراب وجداني عميق تهرع شقيقتي مدفوعة برغبة في النميمة ورصيد ضخم من ضغائن الطفولة للتحريض علي، أحسب أنها بعد قليل ستركض مسرعة إلى أمي وتخبرها أن ابنها قليل الأدب كتب منشورًا يوحي بوقوعه في الحب، ولأن بيتنا الليلة ساكنٌ فوق المعتاد فسيذكر أهلي هذه الليلة لمدة طويلة أنها اليوم الوطني الواحد والتسعين للبلد، والليلة التي أعلنت فيها مشاعري على الملأ. منذ أن عدت من السفر وشقيقي بدر يكرر باستمرار “بك خلاف؟” وأصر أنا بدوري على النفي، لو كان يحسن تجميل الكلمات لقال: “في وسط عينيك أقوامٌ من القلقِ.” سألني أحد العيارين قبل أيام وش بلاك تقرأ عن الحب كثيرًا وبسرعة يكتسبها من اعتاد الهرب، قلت له، يحيرني إنسان ما بعد الحداثة وأود أن أفهم كيف تكونت حياته ومشاعره، لو كنتِ بجواري لهززت رأسك بهدوء وكأنك تمسكين بي متلبسا ثم تقولين وأنت مبتسمة عبارتك المعتادة” يالكذاب“. وجهي يشي بي وعيناي فمٌ ثرثار ولساني يتغصص كلما أردت الحديث ويدي تنتفض منذ غادرت يدك. وأردد منذ أمس نص قاسم حداد:
“أسع المدى وتضيق بي طرقات أرضي أينما أمضي تطاردني الكواسر خيمتي مهتوكة، ولغات أهلي تحتفي بنهايتي وتجس نبضي كلما أرخيت أحلامي على حجرٍ مشى وبقيت في سر المدى وبقيت وحدي”
صوّر لي أحد الأصحاب مجموعة كتب أثناء وجوده في مكتبة بالكويت وقال: “تبي شيء منها؟” وظهر علي الارتباك في مجلس أهلي وأنا أكتب إليه بشكل سريع “إيه أبي مضحك بالفارسية لفيروزة دوماس” وطوال أسبوع مضى كنت أترقب عودته، لأن الكتاب في قائمة كتبي من مدة طويل، وتلهفًا لقراءة شيء ساخر يذهب عني سأم الرطوبة والصيف.
يظن كثير من الناس أن الكوميديا والسخرية اسمان لفعل واحد، وقد تكون الكاتبة أو فريقها الاستشاري في دار النشر لم يهتموا كثيرا بالفرق بينهما وكان هدفهم إخراج سيرة طريفة لطيفة تحقق مبيعات عالية وهو ما تحقق لهم، أما إن كنت تهتم للتفرقة ورؤية الأمور بدقة فهناك فرق بين السخرية وبين ما كتبته فيروزة في هذه المذكرات، الكتاب لطيف وسيجد فيه كثير من الناس حكايا ظريفة، لكني لم أضحك! بخلاف ما وعدني به الغلاف، وحين استرجع الكتب التي أفرطت الدمع من عيني أو أثارت فضول المحيطين بي لكثرة ما أضحكتني فلن تكون هذه السيرة ضمنها. ما لم يعجبني هو: غياب الروح الإيرانية في سرد يفترض به أن يكون حكاية فتاة فارسية تحاول الاندماج في مجتمع أمريكي، النكات مكتوبة بروح أمريكية، وتصويرها كل ماهو إيراني أو ذا عادة إيرانية – عدا أزهار عمتها وتوافه بسيطة- مصبوغ بنظرة غربية استشراقية تهكمية، سيرتها ومعيشتها ونمط حياتها بأكمله ممزوج بهذه الروح، وقراءة السيرة تُشبه رؤية فيلم كوميدي عن أشخاص شرقيين مملوء بالكثير من الصور النمطية المبتذلة المبالغ فيها، حتى وأنت تضحك عليها تشعر بداخلك أن الأمور ليست بهذه الطريقة، في النهاية لا غرابة هي مذكرات فتاة عاشت كل حياتها الحقة في أمريكا وتتحدث عن البلد وأهله بطريقة أقل سخرية وأكثر تبجيلًا. كما لم يعجبني تحويلها السيرة إلى كوميديا مبالغ فيها، جعلت معظم الشخصيات مضحكة وذات سلوك كاريكاتيري مغفلة بتعمد أفعالا وسلوكيات عظيمة قاموا بها، ولعل أكثر المظلومين في سيرتها هو والدها الذي لم ينل حقه من الانصاف.
سخرية السير الذاتية تشدني لمقارنة ما كتبته فيروزة بما كتبه تريفور نواه الجنوب أفريقي الذي كتب تجربته الصعبة في سيرته (جريمة الولادة) وجعل منها مادة مضحكة وساخرة ومفعمة بالأمل والعمق، كنت أقرأ سيرته وأنا أتناول مكرونة باستا بساحة المطاعم في أحد المولات ورأسي يهتز بالضحك وعدد من الأشخاص ينظرون إلي وأيديهم ممسكة بهواتفهم منتظرين أن ألتفت عليهم بعيون مجنونة ليتصلوا بالشرطة مبلغين عن مخبول بيده كتاب ويفزع الأطفال، أضحكني في سرد نواه روايته الحكاية بواقعية مضحكة تشبه كثير مما رأيت في حياتك، ثم ستنتهي من الكتاب مستشعرًا الاحترام لهم، هكذا أفهم أنا السخرية وهو ما لم أجده عند فيروزة. ولأجعل من هذه التدوينة ثلاثية أخرى مثل التدوينة السابقة أشيد بإحدى أجمل السير الذاتية الساخرة سخرية أليمة ومحزنة جدا ، السخرية التي تجعلك تبتسم ثم تلوي شفتيك ندما على هذه الابتسامة سيرة ذاتية لمارك توين . إذا كان تريفور في نهاية حياته الساخرة أستطاع الوصول إلى النجاح أو الثروة فإن مارك توين يصل بك إلى حسرة المعاناة التي لن يفي أي نجاح بشفاء تلك التجربة المريرة التي مع مراراتها أستطاع توين أن يرويها بكل هذه الطرافة. سأكون ممتنا لمن يشاركني سيرة ذاتية مكتوبة بطريقة ساخرة ويسعدني ترك تعليق بذلك أسفل هذه التدوينة.
أخيرا لتسهيل وصول إشعار بالتدوينات المستقبلية ولمشاركتكم الروابط والأمور التي لا يصلح أن تكون مدونات مستقلة فقد أنشأت قائمة بريدية عبر هذا الرابط
(سيصلك منشور بريدي أسبوعي واحد في أقصى الحدود ) وسأقوم الأسبوع القادم بإجراء سحب على 3 كتب ستكون من نصيب أحد المشتركين في القائمة.
لأجل قياس حالتي المزاجية كنت أتابع مجموعة من سلوكياتي، مرة تابعت نومي، ومرة تابعت نشاطي الحركي وقدرتي على إنجاز المهام، ومرة تابعت مستوى الفكاهة والضحك عندي، لكني في النهاية وجدت أن أدق ما أستطيع به قياس حالتي المزاجية والنفسية هو نشاطي القرائي. بالأيام القريبة الماضية حصلت لي فرصة قراءة ثلاثة كتب وهذه التدوينة ستكون شبه مراجعة لها.
قال أحد أصحابي – والعهدة عليه- رحلة الطيران لا تنسى في ثلاث حالات أن تقرأ كتابا جيدًا، أو تنام كالأطفال، أو تجلس بجوارك فتاة تستلطفك. كنت محظوظا بإحدى هذه الحالات صباح الجمعة الماضي فطوال رحلتي الأسبوعية القصيرة لم أرفع عيني من رواية ستونر عدا لحظات قليلة ألتقط فيها صورة للسحاب أو أصب لنفسي قهوة أو أتمغط في مقعدي الذي يشبه كراسي التعذيب. بل الأكثر من ذلك أني بطريقي من المطار إلى قريتي لم أتمالك نفسي وأخرجت الكتاب لأقرأ صفحة أو اثنتين وأنا أقود السيارة وحين وصلت لم استطع النوم حتى انتهيت من قراءة الرواية كاملة في 12 ساعة غير متصلة. وأنا كنت أظنني كبرت على التعلق بالكتب بهذه الطريقة التي تشبه الوقوع في الحب. كتبت كتابة عاطفية عن ستونر في المدونة هنا بعنوان “صديقي العزيز ستونر” وقلت عنها في مكان آخر:
حين تهزمك نواياك الطيبة وقراراتك الصائبة لصالح الأوغاد في الحياة. هذه الرواية عزاء للخائبة آمالهم. وعند الانتهاء منها، سيضاف لأسماء رفاقك صديقًا جديدًا اسمه (ستونر). من أجمل ما ستقرأه.
لكن هذه الكتابتان أقرب للعاطفة منها للمراجعة أو الكتابة النقدية، وأعتقد أن الرواية تستحق أكثر من هذا. ستونر من الأعمال التي لن تستطيع الغض من براعتها وجودتها حتى وإن لم تعجبك – مع أنها ستعجبك 😎- وهي واحدة من أجمل الروايات التي قرأتها والتي لا أتردد حين أشيد بها لعلمي أن جودتها تتخطى ذائقتي الشخصية> أهم ما يميزها أن الشخصية بنيت فيها بناء متدرجا في نفس القارئ كما بُنيت في الواقع وهذا الإتقان أعفى الكاتب من الجهد في تفسير مشاعر الشخصية ولم يكن محتاجا لبذل الجهد في الإبانة عن ما في نفس الشخصية لأنه أقام في نفس القارئ من الحساسية التي تجعله يتصور كل ذلك بلا شرح. بالإضافة إلى واقعيتها الملموسة بشكل لصيق بحياة الإنسان في هذا العالم بمشاعره وحياته وآماله وخيباته، ففيها مساس لمشاعر القراء بما ضمنه المؤلف من حوارات تأخذ الطابع المعرفي تجعل ستونر واحدة من أجمل الروايات التي لن أتردد في العودة إليها مرة أخرى. وبالمناسبة أنا أقرأ هذه الرواية مع أصدقاء في نادي كتاب الجمعة ومن يود المشاركة والانضمام إلينا فهذا حساب النادي على تويتر
الكتاب الثاني نظافة القاتل لإيميلي نوتومب وهذه القراءة الثالثة أو الرابعة لإيميلي، وأنا متناقض قليلا في الحكم على هذه الرواية فمن ناحية الأسلوب هناك الشخصية الكلبية التي صورتها الكاتبة بشخصية عجيبة وغريبة ومعتوهه لكنها مثل الشخصيات المجنونة لو خففنا من حدة الجنون فيها سنجد أن لديها الكثير من الأشياء الحقيقية التي لا يريد أحد الحديث عنها مع الكثير من الترهات بالطبع، لم أستطع كتمان ضحكي وأنا أقرأ بدايات الحوار بل إن أحد الجالسين في الصالة جاء ليتأكد إن كنت أخفي هاتفي في كتابي وأضحك على شيء أشاهده. لكني مع ذلك بحاجة لتنبيه القراء أن هناك الكثير من البذاءة وما قد يراه بعض القراء أسلوبا قذرا في الحوار. بالنسبة لي وجدت الحوار ممتعا، التحدي الذي استطاعت إميلي البراعة فيه هو أن كامل السرد مبني على الحوار بلا فواصل ومثل هذا النوع من الكتابة تحد كبير أعتقد أنها برعت فيه. من الناحية الفنية هناك لدي ملاحظات على خط الأحداث ورتابته وقلة الجهد المبذول عليه من قبل الكاتبة بالإضافة إن انتقال الأحداث في الجزء الثاني غير مستساغا بالنسبة لي وفي ظني أن الأسباب التي ظهرت في آخر الرواية التي جعلت الشخصية تأخذ هذا المنحى من السلوك والتفكير غير منطقية لكن الجو الغرائبي للأحداث والأسلوب والطريقة يجعلها أقرب للصورة الساخرة الرمزية منها للواقعية. الترجمة مقبولة وإن كان الصف في مثل هذه الروايات يستلزم الكثير من الدقة لاعتماده على الحورات. لا أستطيع أن أقول أنها سيئة ولا أستطيع القول أنها مبهرة لكنها بالنسبة لي ممتعة وجميلة وأعجبتني وأعادت لي رغبة القراءة للكاتبة بعد فترة طويلة من الانقطاع عن كتبها.
آخر الكتب مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام لجورج طرابيشي طرابيشي باحث موسوعي متميز في كتابه هذا يناقش الفكرة التي تقول أن العقل المسيحي تلقى الفلسفة بالترحاب ولذلك ازدهر وأن العقل الإسلامي حارب الفلسفة ولذلك كانت سببا في تخلف العالم الإسلامي. وبنى هذا الكتاب على : مقدمة توضح أن خطأ جعل الغرب هو المركزية في هذه الجدلية تاريخيا وتناقض ذلك من الناحية الموضوعية وهذه المقالة في أول الكتاب من أجمل فقراته. ثم أتبع المقدمة بمناقشة طويلة للشطر الأول المتعلق بأخذ العالم المسيحي للفلسفة سرد فيها التاريخ المسيحي وتدرجه للوصول إلى القطيعة التامة مع الفلسفة والمناوئة التامة لها إلى حد جعلها وصمة للوثنية في التصور المسيحي العام ثم أتبع هذا الفصل بفصل ثانٍ بناه على تتبع تاريخ الممارسة الفلسفية في العقلية الإسلامية انتهاء إلى وصول الفلسفة لأن تكون مرادفا للزندقة في المفهوم الشرعي. ثم ختم بستة صفحات يلخص فيها ما قد يكون نظرة له إلى الموضوع. ما أود قوله هنا أن طرابيشي الذي أعجبني بقدرته العالية على فهم التراث واستيعابه في كتابه ” مذبحة التراث” كاد أن يغيب هنا تقريبا وأعزو ذلك لأنه حاول إعمال تفسيراته الدقيقة لمسائل متخصصة في مواضيع الاعتقاد والاجتهاد والتفريق بين العقائد والفقهيات وعدم استيعابه للتفرقة بين جانبي الاجتهاد العقدي والاجتهاد الفقهي وعلاقة العقل بكل منهما، كذلك بعض الاجتهادات التفسيرية إما التسييسية أو الثورية. بالإضافة إلى أنه يعتمد إعتماد كليا على إيجاد التطابقات بين الأورثوذكسية المسيحية وما استقر عليه المذهب الإسلامي في عموم بلاد المسلمين دون فهم كيف استقر هذا المذهب على هذا الوجه، وهذا ما جعل كثير من الثغرات التفسيرية تظهر في بحثه. على العموم الكتاب أشبه بالمقالة الطويلة أو البحث القصير لا يتجاوز 126 صفحة من الحجم الصغير، ومكتوب بلغة بحثية جيدة.
مع كون الكتب السابقة قرأتها خلال أيام فقط إلا أن كل واحد منها صورته في بلد مختلف عن الآخر، والأول والثالث منها بدأته في مكان وانتهيت منه في مكان آخر بعيد تمامًا ولأجل هذه الرفقة الرائعة التي تخفف وطأة الحياة أنا ممتنا للكتب .
استعدادا لاستقبال الشتاء قررت أن أضع لي خط قراءة طويل الأجل غير محدد بوقت للأعمال المتسلسلة أو الضخمة وببالي منها حاليا: -البحث عن الزمن المفقود – رباعية نابولي – كفاحي لكارل أوفه – رباعية هاروكي موركامي – الإخوة كارمازوف – الحرب والسلم. وسيكون البدء بكونت مونت كريستو عسى أصمل.